GuidePedia

0
مقـدمـــــة


لقد أحاط القانون حق الملكية بحماية كبيرة لكونه من أهم الحقوق العينية التي يتمتع بها الإنسان، كما أنه يكتسي مكانة هامة و مقدسة في مجتمعنا، لذا تولى المشرع بيان نطاق الملكية و وسائل حمايتهـا، و كذا القيود التي ترد عليهـا، و جرم الاعتداء عليها .
و بين المشرع أيضا طرق اكتساب الملكية من خلال نصوص القانون المدني،و من أهم أسباب كسب الملكية الوفاة التي تتحقق بها الخلافة في المال و ذلك سواء عن طريق الميراث أو الوصية، لذا فقد خصتها الشريعة الإسلامية الغراء، و من ثم القانون بالتنظيم المحكم و المفصل لأحكامها .

و بالرغم من أن للإنسان حق الإيصاء بأمواله حال حياته، إلا أن وصيته مقيدة بضوابط شرعية و قانونية بهدف عدم المساس بحق الورثة بترك زمام الوصية تحت إرادة المورث يتصرف فيها كما يشاء .
لذا فان الأشخاص - لأسباب مختلفة - رغبة منهم في التحايل على أحكام القانون لنيل الحرية في تعيين من يخلفهم في أموالهم، يصبغون على تصرفهم بالوصية ثوب تصرف آخر يكون لهم فيه الحرية المطلقة دون أي تقييد، لكن المشرع تصديا لمثل هذه التصرفات وضع قواعد بها يمكن فرض احترام القواعد الآمرة للقانون المتعلقة بالوصية؛ و هذا بمعاملة من يحاول التهرب من أحكامها بنقيض قصده و اعتبار تصرفه وصية حماية لحقوق ورثته .

و يلاحظ أن مثل هذه التصرفات التي تغطي أو تستر الوصية، واسعة الإستعمال في المجتمع الجزائري، حيث يتضح ذلك من خلال المنازعات المتعلقة بها المطروحة أمام القضاء، و التي ترفع عادة من الورثة قصد الوصول إلى حكم بعدم نفاذ التصرف في حقهم، و ما يؤكد ذلك غزارة قرارات المحكمة العليا بهذا الخصوص .

إلا أنه بالرغم من ذلك، فإن هذا الموضوع لم يحظى بدراسة متخصصة لكل جوانبه النظرية و العملية، بل أن جل الدراسات عالجت أحد جوانبـه و ذلك من زاويـة خاصة، كالإشارة إليه عنـد الحديث عن أسباب كسب الملكـية أو الحديث عن التصرفات في مرض الموت عند دراسة أحكام بعض العقود أو التصرفات، و يرجع ذلك إلى تفرق أغلب أحكام هذا الموضوع بين الفقه الإسلامي و القانون المدني و قانون الاسرة .
و نظرا لما من أهمية كبيرة لهذا الموضوع بالنسبة للقاضي، فإنه يجب على هذا الأخير الإلمام بجميع جوانبه الفقهية و القانونية سواء ما تعلق منها بالجانب الموضوعي، أو بقواعد الإثبات خصوصا إذا ما علمنا انه يطرح عدة مشاكل قانونية تتعلق اما بتحديد بعض المفاهيم او بتطبيق النضوض القانونية المتعلقة به و التي تطرح صياغة بعضها مشاكل قانونية و عملية عديدة .
و هذا ما يقودنا إلى إعداد هذه الدراسة للقواعد التي تحقق الحماية للورثة من الوصية المستترة، مع الإقتصار على القانون الجزائري بكل مصادره، دون الخوض فيما جاءت به التشريعات المقارنة، و مع التركيز على ما جاءت به المحكمة العليا من خلال قراراتها العديدة في هذا الشأن .

ومن اجل الإلمام بعناصر الموضوع يتعين أن نقسمه إلى فصلين، حيث نبين في الفصل الأول الأحكام المقيدة لحرية الإيصاء باعتبار أن القاضي يطبقها على التصرف الذي يقرر إلحاقه بالوصية، مع تبيان الأسس الشرعية و القانونية لإحاطة الوصية بهذه الضوابط، كما نبين الأسس و الإعتبارات التي تقوم عليها القرائن التي مفادها أن بعض التصرفات في حقيقتها وصايا تلحق بحكم هذه الأخيرة .
أما الفصل الثاني فنعدد فيه التصرفات التي تنطوي على نية الإيصاء، و التي يعتبرها المشرع وصايا مستترة و يوقع عليها قواعدها، و نبين شروط هذه التصرفات و أحكامها، و كذا قواعد الإثبات المتعلقة بها .















الفصـل الأول
أساس حماية الورثة في الوصية و التصرفات الملحقة بها



يعتبر كل من الميراث و الوصية،سببان لكسب الملكية وبعض الحقوق العينية الأصلية بسبب الوفاة، و في كليهما تتحقق الخلافة في المال للوارث أو الموصى له .
ولما رسم الشارع و القانون قواعد الخلافة الإجبارية المتمثلة في الميراث، بصفة محكمة ودقيقة، فإنه تبعا لذلك لم يترك زمام الخلافة الإختيارية -المتمثلة في الوصية- تحت إرادة المورث المطلقة، بل حد حدودها، و بين شروطها بتقييد حرية الإيصاء وفقا لقواعد جاءت بها الشريعة الإسلامية، واعتنقها قانون الأسرة باعتبار أن جميع أحكام الشريعة الغراء تقوم على أسس مستمدة من قواعد و مبادئ منزهة عن النقص أو القصور .

إلا أن الشريعة الإسلامية، ومن ثم القانون لم يكتفيا بإحاطة الوصية فقط بهذه القيود، بل تعدت هذه الأخيرة الوصية لتسري على بعض التصرفات الأخرى التي يلجأ إليها المورث حال صحته، أو خلال فترة مرضه و يصبغ عليها شكل تصرف آخر غير الوصية، فألحقت هذه التصرفات بأحكام الوصية، ومنح للقاضي سلطة اعتبارها كذلك؛ وهذا بناء على أسس معينة تختلف عند تعلق الأمر بالتصرفات الواردة في مرض الموت عنها إذا تعلق الأمر بتصرفات تحيط بها قرائن أخرى تثبت نية التهرب من أحكام الوصية .

لذا سنحاول توضيح الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، ومن ثم القانون تقييدا لحرية الإيصاء، و إستقراء العلة من تقرير هذه القيود على تصرف الشخص في أمواله، و هذا بعد تحديد مفهوم الوصية في المبحث الأول .
و في مبحث ثان نتطرق إلى الأسس التي أدت بالمشرع إلى إلحاق بعض التصرفات بحكم الوصية ، سواء الواردة في مرض الموت ، أو غيرها من التصرفات .








المبحـث الأول
الأحكام التي تحمي الورثة في الوصية و أساسها

إن حماية الورثة من التصرفات التي يبرمها المورث؛ و التي تخفي وصية يكون بإلحاق المشرع هذه التصرفات بحكم الوصية ،و تبعا لذلك وتحقيقا لهذه الحماية، فإن القاضي يطبق أحكام الوصية عليها من خلال المنازعات المطروحة عليه.
لذا وجب علينا توضيح هذه الأحكام -المتعلقة بالوصية- بدقة لتمكين الورثة من الإستفادة بها إذا ما ثبتت نية الإيصاء في جانب المورث، حيث سنتناول ماهية الوصية عموما وفقا لما جاء به فقهاء الشريعة الإسلامية، و قانون الأسرة في المطلب الأول، ثم الأحكام المقيدة لحرية الإيصاء في المطلب الثاني، بهدف حصر البحث فيما يتعلق بموضوع دراستنا، ونوضح العلة من هذا التقييد و أساسه في المطلب الثالث .

المطلب الأول : ماهيـــة الوصيـــة

نتطرق هنا لتعريف الوصية و تحديد أركانها الأساسية، دون الخوض في الأحكام الشرعية و القانونية للوصية بتفاصيلها؛ لعدم تعلقها بموضوع دراستنا.

الفرع الأول : تعريــف الوصيــة
تعد الوصية من أصل الأحوال الشخصية، لذا فإن المشرع نص بالمادة 775 من القانون المدني على سريان قانون الأحوال الشخصية و النصوص المتعلقة بها عليها، وذلك في الفصل المتعلق بطرق اكتسـاب الملكية، كما أنه لم يخـص الوصية بقانون خاص بها كما فعلت بعض التشريعات كالتشريع المصري (1) ، بل أورد أحكامها في قانون الأسرة بالمواد من 184 إلى 201 منه.
للوصية كإصطلاح شرعي تعريفات متعددة، حيث عرفها البعض بأنها تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، وعرفهـا الكاساني بأنها إسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد الموت ، و قال الكرخي بأنها ما أوجبه الموصي في ماله تطوعا بعد موته أو في مرضه الذي مات فيه (2).
أما الدكتور علي علي سليمان فقد عرفها بأنها "تصرف في التركة يضاف إلى ما بعد الموت" مستخدما مصطلح"يضاف" بدلا من "مضاف"، مؤكدا بذلك على الأثر المستقبلي لنفاذ التركة .
كما عرفها ابن عابدين أنها "تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع" و هو أصح التعريفـات و أشملهـا

-------------------
(1) قانون الوصية المصري الصادر بالقانون رقم 71 سنة 1946 .
(2) محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. دار الفكر العربي. مصر. 1988. ص 11.
باعتباره تعريفا جامعا مانعا يشمل كل شيء يوصي به الشخص بعد وفاته كما يشمل قيام الوصي على أولاده الصغار ورعايتهم (1) .
كما أن قانون الأسرة لم يبتعد عن هذا التعريف في المادة 184 منه حيث نصت على أن : "الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع".
و يستخلص من العبارات المستعملة في هذا التعريف ما يلي :
- إن استعمال مصطلح"تمليك" يجعل هذا التعريف جامعا و شاملا لكل أنواع الوصايا؛ سواء كانت واجبة أو مندوبة ، وسواء كانت بالمال أو بغيره، فهي بذلك تشمل التمليك، والإسقاط، وتقرير مرتبات، كما تشمل الوصية بالمنافع من السكن لدار أو الزراعة لأرض، و الوصية بالأعيان من منقولات أو عقارات.
- إن المقصود بعبارة "مضاف إلى ما بعد الموت" هو أن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت الموصي؛ و بالتالي يخرج عن هذا التعريف الهبة .
- يستخلص من مصطلح "تبرع" إخراج الوصايا التي تنبني على بيع أو إيجار لشخص ما ، وذلك باعتبار الوصية تتم بدون عوض باعتبارها ما أوجبه الموصي في ماله تطوعا بعد موته .

الفرع الثاني : أركــان الوصيــة
بالرجوع إلى أحكام قانون الأسرة و الشريعة الإسلامية، فإنها تشترط لإنشاء الوصية توافر جملة من الأركان قسمها معظم الفقهاء إلى أربعة، وهي الصيغة، الموصي، الموصى له و الموصى به، نفصلها على النحو التالي :
أولا : الصيــغة
إن الأصل في صيغ التصرفات أن تكون منجزة، و لا يخرج عن هذه القاعـدة إلا الوصية؛ فهي تأبى التنجيـز، و ذلك بحكم طبيعتها لأنها تصرف مضاف إلى ما بعد المـوت، و بالتالي فإن صيغتها لا تكون إلا مضافة إلى أجـل (2) و الأجل هنا هو وفاة الموصي ، كما يمكن أن تكون صيغة الوصية معلقة على شرط بحيث إذا تحقق هذا الشرط أصبحت الوصية قائمة، و رغم ذلك تظل مضافة إلى أجل .
وقد اختلف الفقه في ركن الصيغة من حيث توافق الإرادتين؛أي الإيجاب و القبول وانقسموا في ذلك إلى آراء :
فالأحناف و خاصة الإمام-زفر-قال أن الوصية تلزم بالموت من غير حاجة إلى قبول، وأنها لا ترتد بالرد عنده، وحجته أن ملك الموصى له يثبت بالخلافة كما يثبت ملك الوارث.
و يرى جمهور الفقهاء أن للموصى له حق الرد، لأنه لا شيء يدخل في ملك الإنسان جبرا عنه غير الميراث بمقتضى نص الشارع، و لأن الموصى له يجب أن يعطى حق الرد دفعا لاحتمال الضرر، فضرر المنة ثابت،ومن الناس من لا يقبله، و لأن الموصى به قد يكون ملزما بمؤن أكثر مما فيه من نفع (3) .
-------------------
(1) العرببي بلحاج. الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري. الجزء الثاني. الميراث و الوصية. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. الطبعة الثالثة. 2004. ص 230
(2) عمر حمدي باشا. عقود التبرعات-الهبة – الوصية – الوقف. دار هومة. الجزائر.2004. ص 47.
(3) محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. المرجع السابق. ص 18.
و قـد إتفـق على ما يـلي :
- أن القبول لا يكون إلا بعد الوفاة، و لا عبرة به في حياة الموصي .
- أن الوصية تنشأ بما يجاب من الموصي - وهو ركنها الوحيد - و لكن شرط ثبوت الملكية أو لزومها هو القبول بعد وفاته؛ لأن القبول إنما هو لثبوت الملكية لا لإنشاء التصرف، فكان لا عبرة به إلا عند تنفيذ أحكامه.
- أن القبول أو الرد لا يشترط فور وفاة الموصي، بل يثبت على التراخي، و أنه يقبل عن المجنون و المعتوه و الصبي غير المميز ممن له الولاية عليه (1).
أما قانون الأسرة فقد اشترط في المادة191 فقرة1 منه تصريح الموصي بالوصية فقط دون حاجة لاقترانه بالقبول من الموصى له و أكدت المادة 197 منه على ما يلي: "يكون قبول الوصية صراحة أو ضمنا بعد وفاة الموصي"، وهذا ما يبين نية المشرع في اعتبار الوصية تصرفا ينشأ بالإرادة المنفردة للموصي، بحيث أكد على وقوع القبول بعد الوفاة و بالتالي عدم اقترانه بالإيجاب؛ و عليه فإن القبول لا يكون إلا شرطا للزوم الوصية ،وبه تثبت ملكية الموصى به.
أما بالنسبة للتعبير عن هذه الصيغة ، فقد اختلفت المذاهـب في وسائله من عبارة وكتابة و إشـارة...إلخ (2)، و بالرجوع إلى الأحكام العامة للقانون المـدني فإن التعبير عن الإرادة حسب المادة 60 منه يكون باللفـظ،و بالكتابة، أو بالإشارة المتداولة عرفا، كما يكون باتخاذ موقف لا يدع أي شك في دلالته على مقصود صاحبه، و يجوز أن يكون ضمنيا حسب الفقرة الثانية منها .
هذا بالنسبة لركن الصيغة، أما بقية الأركان من موصي، وموصى له ،وموصى به فإن بعض الفقهاء يوردها في باب شروط الوصية ويعتبرونها شروطا لا تصح الوصية إلا بها (3).
ثانيا : المـــوصي
نصت المادة 186 من قانون الأسرة على شروط يجب توافرها في الموصي لصحة الوصية بقولها: "يشترط في الموصي أن يكون سليم العقل، بالغا من العمر تسع عشرة (19) سنة على الأقل". أي أنها تشترط أن يكون الموصي من أهل التبرع بتوافر ما يلي :
- سلامة العقل : تطبيقا للمادة 186 السابقة الذكر فإن وصية المجنون تعد باطلة بطلانا مطلقا باعتباره عديم الأهلية، كما ينطبق هذا الحكم أيضا على المعتوه، وحسب المذهب المالكي، فإن الوصية متى صدرت صحيحة لا تبطل بزوال أهلية الموصي بعد ذلك .
- البلوغ : إن الوصية تبرع مالي، وهي من التصرفات الضارة ضررا محضا؛ إذ لا يقابلها عرض دنيوي، و عليه فإن الوصية الصادرة عن صبي مميز تكون باطلة بطلانا مطلقا، و لذا فإن المشرع أكد على شرط البلوغ تنص المادة 186 من -------------------
(1) جاء في النص العربي للمادة 191 : "تثبت الوصية : - بتصريح الموصي أمام الموثق و تحرير عقد بذلك"، و بالرجوع إلى النسخة الفرنسية نجد مصطلح acte authentique يقابل "عقد" فان المقصود به هو المحرر أما مصطلح عقد فما هو إلا ترجمة خاطئة لم يقصد به اعتبار الوصية عقدا .
(2) إرجع. محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. المرجع السابق. ص 12، 13، 14.
(3) فتحي حسن مصطفى. الملكية بالميراث في ضوء الفقه و القضاء. منشأة المعارف. الإسكندرية. ص 233 / محمد أبو زهرة. نفس المرجع. ص 51 / العربي بلحاج. المرجع السابق. ص 253.

قانون الأسرة، بالرغم من أنه من المعروف أن مناط التكليف في الأحكام الشرعية هو البلوغ، و هو المبدأ الوارد بنص المادة 40 من القانون المدني التي تحدد سن الرشد القانوني ببلوغ 19 سنة كاملة، و التي هي نفس السن الواردة بالمادة 186 من قانون الأسرة .
- الرضا : يجب أن يتوافر رضا الموصي بالإيصاء، كما هو الحال في باقي التصرفات خاصة في الهبات و التبرعات، و إلا كانت غير صحيحة، و لهذا فمن المتفق عليه فقها و قضاء أن وصية المكره و الهازل و المخطىء باطلة، كما لا تصح وصية السكران، لأنه لا قصد له و الوصية هنا تضر بورثته، إذ القاعدة المقررة في هذا الشأن أنه "لا ضرر و لا ضرار".(1)
ثالثا : الـــموصى لـه
يشترط في الموصى له أن يكون موجودا، معلوما، أهلا للتملك، و الإستحقاق، و ألا يكون جهة معصية، و لا قاتلا للموصي أو وارثا له .
1- أن يكون الموصى له موجودا : و هذا عند إنشاء الوصية، و وجوده قد يكون حقيقة ، أو حكما (تقديرا) كالحمل أو المعدوم .
فقد تعرضت لمسألة الوصية للحمل كل من المادة 187 من قانون الأسرة التي نصت على أنه : "تصح الوصية للحمل بشرط أن يولد حيا..." ، والمادة 134 منه التي جاء فيها : "لا يرث الحمل إلا إذا ولد حيا، و يعتبر حيا إذا إستهل صارخا ،أو بدت منه علامة ظاهرة بالحياة" ،وكذا المادة 25 من القانون المدني التي تنص في فقرتها الثانية : "على أن الجنين يتمتع بالحقوق التي يحددها القانون بشرط أن يولد حيا"
و إتفقت كل هذه المواد في ضرورة الولادة المصحوبة بعلامة ظاهرة للحياة (2)، و هذا ما جاء موافقا لما ذهبت إليه أحكام الفقه الإسلامي .
و قد تكون الوصية في بعض الحالات إلى من لم يكن موجودا وقت إنشاء الوصية ، ويحتمل أن يوجد في المستقبل سواء وجد عند الوفاة أو لم يوجد إلا بعدها (3) ،وهذا ما يصطلح عليه بالوصية للمعدوم، و لا يراد به من كان موجودا ثم انعدم . و هي الحالة التي لم يورد القانون الجزائري نصا بشأنها؛ لذا نطبق عليها أحكام المذهب المالكي (4) ، التي تجيز الوصية للمعدوم، وتبقى الوصية ما بقي الأمل في وجود الموصى له قائما وظاهرا؛ لما فيه من حماية مصلحة الموصى له إلى أن يتحقق اليأس من وجود هذا الأخير .
2- أن يكون الموصى له معلوما : وذلك بالتعيين (بالإشارة أو بالإسم) كفلان بن فلان أو جهة البر الفلانية، أو بتعريفه بالوصف كفقراء طلبة العلم . و يقصد بهذا الشرط ، ألا يكون الموصى له مجهولا جهالة مطلقة و فاحشة لا يمكن دفعها، وإلا بطلت الوصية، كما لو أوصى شخص لطالب من الجامعة مثلا دون ذكر إسمه، و يرجع تقدير معلومة الموصى له للقاضي .
-------------------
(1) عمر حمدي باشا. المرجع السابق. ص 48.
(2) العربي بلحاج. المرجع السابق. ص 256.
(3) محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. المرجع السابق. ص 71.
(4) العربي بلحاج. نفس المرجع. ص 257 .
و قد قرر جمهور الفقهاء هذا الشرط حتى يمكن تنفيذ الوصية؛ ذلك أنها لا تلزم إلا بقبول الموصى له (المواد 184 و192 من قانون الأسرة)، إلا أنهم استثنوا من هذا الشرط الوصية لله تعالى و لأعمال البر، و أساس ذلك وجود مفهوم التكافل في مثل هذه الوصايا، كما أن أعمال البر و الإحسان تأخذ حكم النوع الواحد و إن تعددت لإتحاد القصد منها.
3- أن يكون الموصى له أهلا للتملك و الإستحقاق : فقد اتفق الفقهاء - باستثناء الحنابلة الذين لهم رأي مخالف (1) - على اشتراط ذلك، و عليه فلا تصح الوصية لحيوان مثلا، و تبطل على أساس أن الموصى له ليس أهلا للتملك و الإستحقاق .
أما قانون الأسرة فقد أغفل هذا الشرط، و قد يفهم ذلك حسب بعض الفقهاء، من أن الوصية لمن ليس أهلا للإستحقاق قد تكون صحيحة في بعض الحالات، كالوصية لبناء مسجد أو مدرسة لكنها لا تكون للتمليك؛ بل مجرد وصية بتصرف ، أي إخراج مال من تركته (2) .
4- ألا يكون الموصى له جهة معصية : و يقصد بالجهة المعصية الجهة المحرمة شرعا و قانونا، فالوصية شرعت لتكون قربة أو صلة ، و شرعت للإصلاح و الخير لا من أجل الفساد و المنكر و الخروج عن المعقول.
و لذا فلا يصح للمسلم أن يوصي لجهة حرمتها الشريعة الإسلامية كالوصية لدور اللهو، و الكنائس، و المعاهد التي لا تخص المسلمين .
و قد تكون الجهة الموصى إليها غير محرمة في ذاتها، و لكن الباعث عليها محرم، كالوصية التي يكون الهدف منها إستمرار العلاقة غير الشرعية بين الموصي و الخليلة، فالرأي الراجح هنا - حسب المالكية و الحنابلة و منهم ابن تيمية و ابن القيم - أنها باطلة؛ لأن العبرة بالقصد و النية و الباعث حينئذ مناف لمقاصد الشريعة الإسلامية مما يجعلها باطلة (3).
و بالرجوع إلى القانون المدني فإننا نجده أقرب إلى هذا الرأي من خلال المواد 97و98 منه .
5- ألا يكون الموصى له قاتلا للموصي : إختلفت المذاهب في نوع القتل المانع من الوصية، فالحنفية اعتبروا أن القتل المقصود هنا هو القتل عدوانا بغير حق أو عذر شرعي، سواء كان عمدا أم خطأ، أما القتل بالتسبب، فلا يمنع إرثا و لا وصية، مع جواز الإجازة من الورثة .
و قال الحنابلة أن القتل المانع من الإرث و الوصية هو القتل بغير حق سواء كان عمدا أم خطأ، مباشرة أم تسببا، أما إذا حصلت الوصية بعد الجرح المفضي إلى الموت كانت صحيحة .
و يرى الشافعية أن القاتل يستحق الوصية سواء كان القتل عمدا أم كان خطأ؛ لأن الوصية تمليك كالهبة، و القتل لا يبطل الهبة فلا يبطل الوصية.
وذهب المذهب المالكي إلى أن القتل يمنع الإستحقاق في الوصية، و هذا استنـادا إلى قوله - صلى الله عليه و سلم - : "لا وصية لقاتل" (4)، غير أنه يرى أن الوصية تصح للقاتل خطأ؛ لأنها تمليك كالهبة، أما إذا حصل القتل عمدا بعد إنشاء الوصية حرم الموصى له من الوصية، كما تنفذ الوصية التي تنشأ بعد الإصابة المفضية إلى الوفاة إحتراما لإرادة الموصي.
-------------------
(1) (2) العربي بلحاج. المرجع السابق. ص 259 .
(3) العربي بلحاج. نفس المرجع. ص 260 .
(4) رواه الدارقطني و البيهقي .
بالرجوع إلى قانون الأسرة ، فإنه أخذ بما ذهب إليه الفقه المالكي؛ حيث اشترط قتل الموصى له للموصي عمدا لعدم استحقاق الوصية و هذا في المادة 188 منه (1)، فالعبرة إذن بالقتل العمد عدوانا بدون حق و ليس بالقتل الخطأ ، و هذا ما يساير ما جاءت به المادة 137 من قانون الأسرة المتعلقة بالميراث بصفة عامة، وعليه فإنه لا يستحق الوصية قاتل الموصي عمدا سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا أو شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام و تنفيذه، و لا يستحقها من كان عالما أو مدبرا للقتل و لم يخبر السلطات المعنية ( كل هذا إذا لجأنا للتفسير الموسع لأحكام المواد 137 و 135 من قانون الأسرة )، و يشترط هنا أن يكون الموصى له أهلا للمسؤولية الجزائية دون عذر قانوني ، و ألا يكون في حالة دفاع شرعي .
وما يلاحظ في هذه الأحكام هو الإنسجام بين كل من قواعد قانون الأسرة من جهة و القانون المدني و قانون العقوبات من جهة أخرى .
6- ألا يكون الموصى له وارثا للموصي : وهذا مصداقا لقوله - صلى الله عليه و سلم - : "إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (2)، و عن ابن عباس قوله : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : "لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" (3) .
و قد اختلفت قوانين الدول الإسلامية في شأن جواز الوصية لوارث من عدمه، أما المشرع الجزائري فقد أخذ بهذا الشرط بنص المادة 189 من قانون الأسرة، و قضت به المحكمة العليا في قراراتها .
وهذا ما سنقتصر عليه فيما يخص هذا الشرط، وذلك لأننا سنشرحه بإسهاب ضمن المطلب الموالي .
رابعا : المـــوصى بــه
يشترط في الموصى به أن يكون مالا قابلا للتوارث، و أن يكون متقوما و قابلا للتمليك، كما يشترط أن يكون موجودا عند الوصية و غير مستغرق بالدين و ألا يزيد عن ثلث التركة .
1- أن يكون الموصى به مالا قابلا للتوارث : فالموصى به الذي يصلح للإيصاء نوعان :
- نوع يصلح أن ينتقل بالميراث أي يصح أن يكون تركة كالأموال الحقيقية أي النقود ، و الأشياء العينية، و الحقوق التي تتعلق بها كحقوق الإرتفاق و نحوها.
-ونوع لا يكون من الحقوق التي تورث و لكن تصح به الوصية، لأنه يصح التعاقد عليه حال الحياة فيصح أن يوصى به بعد الوفاة، وذلك كالأموال الحكيمة كالمنافع مثل سكن دار، أو زراعة أرض و غيرها (4).
وهذا ما أقره قانون الأسرة، في مادته 190 التي تنص : "للموصي أن يوصي بالأموال التي يملكها و التي تدخل في ملكه قبل موته عينا أو منفعة" ،و عليه فقد أجاز الوصية بالمنافع لمدة معينة أو غير معينة و في هذه الحالة الأخيرة تنتهي بوفاة الموصى له ( المادة 196 من قانون الأسرة ) .
-------------------
(1) تنص المادة 188 من قانون الأسرة : "لا يستحق الورثة الوصية من قتل الموصي عمدا".
(2) رواه الترمذي .
(3) رواه الدارقطني .
(4) لأن الوصية تصرف يلاحظ فيه التوسيع على الموصي، لتسهل عليه أبواب البر و المعروف، إذ هو في الغالب لا يقصد بها نفعا شخصيا .
2- أن يكون الموصى به متقوما و قابلا للتمليك : و هذا الشرط خاص بالموصى به إذا كان مالا و ليس منفعة و لا حقا عينيا ، و يقصد بالمال المتقوم أن يكون مالا ، فلا تصح الوصية بالميتة مثلا، و المال الذي يصح أن يكون موضوعا للوصية يجب أن يكون مما يباح الإنتفاع به فالخمر و الخنزير و المخدرات، و كل ما هو محرم أو معصية أموال غير متقومة في مفهوم الشرع الإسلامي (1).
أما قابلية الموصى به للتمليك فيقصد بها أن يكون مما يجوز تملكه بعقد من العقود كالبيع أو الهبة بإعتبار الوصية تمليكا ( المادة 184 من قانون الأسرة )، و عليه لا تصح الوصية بالأموال المباحة غير المملوكة بعقد معين، و لا بالوظائف العامة أو الأموال العامة، و غيرها من الحقوق الشخصية و المهنية المحضة .
3- أن يكون الموصى به موجودا عند الوصية : و هذا الشرط متفق عليه إذا كان المال معينا بالذات أو جزء شائعا في مال معين، فيجب أن يكون الموصى به هنا في ملك الموصي عند إنشاء الوصية، و لذا لا تصح الوصية بملك الغير حتى و إن ملكه بعد الوصية ثم مات، و إن أجازها الغير بعد الوفاة فيكون ذلك هبة منه و لا تتم إلا بالقبض (2) .
و هذه الأحكام أكدها المشرع الجزائري في المادة 190 من قانون الأسرة التي تشترط أن يكون الإيصاء بالأموال التي يملكها الموصي عند الوصية، و يقصد هنا الأشياء المعينة بالذات، أما إذا كان الموصى به غير معين بالذات و لم يكن جزء في شيء معين و لا نوع معين، بل كان شائعا في المال كله فيشترط وجوده عند الوفاة، و إلا بطلت الوصية .
إلا أن هناك مسألة تصح فيها الوصية مع أن الموصى به غير موجود وقت الوصية و لا وقت الوفاة، و ذلك إذا ما أوصى بغلة بستانه فتكون له الغلات المستقبلة ما دام حيا، لأن الوصية بالغلة من قبيل الوصية بالمنافع، و هذه الأخيرة تجوز الوصية بها مع أنه يحصل عليها وقتا بعد آخر في المستقبل بعد وفاة الموصي (3).
4- ألا يكون الموصى به مستغرقا بدين : يشترط لنفاذ الوصية ألا يكون الموصي مدينا بديون تستغرق جميع ماله، وذلك لأن ديون العباد مقدمة على الوصية و الإرث لتعلق حق الدائنين بأموال المدين، فالديون تأتي في المرتبة الثانية بعد مصاريف التجهيز و الدفن بالقدر المشروع حسب المادة 180 من قانون الأسرة، فأداؤها واجب بينما الوصية في غير الواجبات مندوبة أو مباحة، و الواجب مقدم على المندوب و المباح في أحكام الفقه .
أما بالنسبة لأساس تقديم الدين على الوصية مع قوله تعالى : "من بعد وصية توصون بها أودين" (4) أي بتقديم الوصية على الدين؛ فإنه قد روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال : "إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين، و قد شهدت رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بدأ بالدين قبل الوصية" ، و عليه فإن تقديم القرآن للوصية على الدين لم يكن لتقديمها في الرتبة؛ بل لتبيان أهميتها و وجوب تنفيذها حتى لا يهمل الورثة ذلك .
وقد تصح الوصية بمال مستغرق بالدين إذا أبرأه الغرماء و أسقطوا ديونهم، أو إذا أجازوا إنفاذ الوصية قبل الدين .
5- ألا يزيد الموصى به عن ثلث التركة : نصت المادة 185 من قانون الأسرة على أنه : " تكون الوصية في حدود ثلث التركة، وما زاد على الثلث تتوقف على إجازة الورثة" ، وهذه هي الحدود الشرعية و القانونية للوصية، كما جـاء في -------------------
(1) عمر حمدي باشا. المرجع السابق. ص 55 .
(2) (3) محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. المرجع السابق. ص 100 .
(4) سورة النساء. الآية 12 .
الحديث الشريف عن سعد ابن أبي وقاس حيث قال الرسول - صلى الله عليه و سلم - و سعد في مرض الموت : "الثلث و الثلث كثير" (1) و يقول - صلى الله عليه و سلم - "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند مماتكم" (2) .
ونترك التفصيل في هذه الأحكام عند الحديث عن تقييد حرية الإيصاء في المطلب التالي .

المطلب الثاني : تقييد حرية الإيصاء في الشريعة الإسلامية و قانون الأسرة

بوصف الوصية تصرفا في التركة مضافا إلى ما بعد الوفاة، تتحقق فيها الخلافة في المال بالوفاة؛ فهي تقترب من الميراث كسبب من أسباب كسب الملكية، و تختلف عنه من حيث الإختيار، فالشارع الحكيم لما نظم الخلافة في المال بالميراث تولاها بالتوزيع العادل، وبالمقابل نظم أمر الخلافة بالوصية مقيدا حرية الأشخاص في الإيصاء بغية الحفاظ على حقوق الورثة، وحماية لهم من خطر التصرف بالوصية سواء تمت لوارث أو لغيره، وذلك باعتبار الوصية مساسا في الصميم بالتركة التي ستؤول إلى الورثة المحتملين . وعملا بأحكام الشريعة الإسلامية قيد المشرع الجزائري من جهته حرية الإيصاء بعدة أحكام منها ما تعلق بالموصى له، ومنها ما تعلق بالموصى به، وهذا ما سنفصله فيما يأتي مركزين على الأحكام التي تحقق الحماية لحقوق الورثة .

الفرع الأول : عــدم جـواز الإيصـاء لوارث
من أهم شروط الموصى له المقيدة لحرية الموصي في الإيصاء بأمواله، ألا يكون الموصى له وارثا كقاعدة عامة .
قال الله تعالى : "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين و الأقربين بالمعروف حقا على المتقين" (3)
قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : "إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (4)، و روي عن إبن عباس قوله : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : "لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" (5)، كما روي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قوله - صلى الله عليه و سلم - : "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة" .
بما أن جل أحكام الوصية مستسقاة من الفقه الإسلامي، كان مرد الخلاف في جواز وعدم جواز الوصية للوارث في تفسير الآيات و اعتماد الأحاديث على رأيين .
الـرأي الأول : يجيز الإيصـاء لـوارث
و اعتمد هذا الرأي القانون المصري الذي اعتبر أن الوصية للوارث لا تحتاج إلى إجازة الورثة إلا إذا تجاوزت
-------------------
(1) رواه البخاري و مسلم.
(2) رواه ابن ماجة و الدارقطني .
(3) سورة البقرة. الآية 180 .
(4) رواه الترمذي .
(5) رواه الدارقطني .
الثلث ، و من أهم ما استند إليه هذا الرأي قوله تعالى في الآية 180 من سورة البقرة : "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين و الأقربين بالمعروف حقا على المتقين" .
إضافة إلى قول بعض المفسرين منهم أبو مسلم الأصفهاني بأن هذه الآية غير منسوخة بآية المواريث، و من أسس هذا الرأي أيضا هو أن الناس قد احتاجوا للوصية لوارث.
و قد انتقد هذا الرأي على أساس أنه إذا كان أبو مسلم الأصفهاني من بين عدد من المفسرين إعتبر أن هذه الآية غير منسوخة - لأنه قرر أنه لا نسخ في كتاب الله تعالى قط - فإنه بالمقابل حاول التوفيق بينها و بين آية المواريث و اعتبر أنها غير مخالفة لها، و أن معناها : كتب عليكم ما أوصى الله تعالى من توريث الوالدين و الأقربين من قوله تعالى : " يوصيكم الله في أولادكم" أي كتب على المحتضر أن يوصى للوالدين و الأقربين بتوفية ما أوصى الله به لهم، و ألا ينقص من أنصبتهم.
و طبقا لما سبق فإنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى، و الوصية عطية ممن حضره الموت إضافة إلى ذلك ، فإنه لو قدرنا حصول المنافاة، لكان يمكن جعل آية المواريث مخصصة لهذه الآية، وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية المواريث تخرج القريب الوارث (1)، و لا منافاة بين الآية الخاصة بالوصية وقوله صلى الله عليه و سلم : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" لأن الآية ما أجازت الوصية للوارث، بل أجازت الوصية للوالدين و الأقربين بالمعروف، و ليس متعينا أن يكونوا ورثة .
و يرى البعض في هذا الشأن جواز الوصية للوارث إذا كان هذا الوارث أحوج من غيره، و الآية تشير إليه لأنها اشترطت لنفاذ الوصية ألا يكون فيها تجانف لإثم إذ قال الله تعالى بعد آية الوصية : "فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه" (2)، و قيل لم تنسخ الآية و الوارث يجمع له بين الوصية و الميراث بحكم الآيتين، لكن هذا الرأي في كتب التفسير رأي مغمور وليس بمشهور .
و يرى الإمام أبو زهرة أن إجازة القانون المصري الوصية للوارث وجعلها كوصية الأجنبي مبدأ خطير استحدث في قوانين الدولة المصرية، و يكاد يكون انقلابا في التوريث الإسلامي .
الـرأي الثـاني : يذهب إلى أنه ليس للوارث الحق في الوصية :
يذهب المالكية - المشهور عندهم - إلى أن الوصية باطلة للوارث ، فلو صح و أن أوصي للوارث ولغيره صحت لغير الوارث ، و بطلت وصية الوارث فقط .و يرى ابن حزم أن الوصية باطلة بطلانا مطلقا إذا ما تمت للوارث، و لا تصححها إجازة الورثة بعد وفاة الموصي (وهذا الرأي أخذ به المشرع المغربي الذي نص على انه لا وصية لوارث إطلاقا، و لا تصح و لو أجازها الورثة (3).
غير أن هناك رأيا آخر يذهب إلى أن الوصية لوارث صحيحة متوقفة على إجازة باقي الورثة، و في ذلك قـال
إبن القصار و إبن العطار - وهما من المالكية - ، وعليه فإذا أجـاز الورثة الوصية بعد وفاة الموصي كانت صحيحـة،
-------------------
(1) محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. المرجع السابق. ص 64 .
(2) سورة البقرة. الآية 182 .
(3) بلحاج العربي. المرجع السابق. ص 264 .
أما إذا أجازها بعض الورثة ، و رفضها البعض الآخر نفذت في حصص من قبلها .
و من بين الإعتبارات التي تبرر عدم جواز الوصية للوارث ما يلي :
1- لما كان الميراث محددا من عند الله سبحانه و تعالى، فهو الذي تولى تقسيمه و بيانه، و حدد لكل وارث نصيبه الشرعي، و إن جاء فرض الوصية للوالدين و الأقربين بقوله تعالى : "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت، إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين" فهذا معناه توفية الوالدين و الأقربين ما أوصى الله به، إضافة إلى ما ذكرناه في نقد الرأي الأول .
2- قوله - صلى الله عليه وسلم- : "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث" ؛فقد جاء فيه نفي الوصية بـ "لا" فهو نفي جنس الوصية لوارث، سواء أجاز الورثة أم لم يجيزوا رغم أن الحديث لم تثبت روايته عن الإمامين مسلم و البخاري فهو قول الشافعي من الأئمة و أقرب إلى عصر السلف الصالح .
إضافة إلى قوله - صلى الله عليه و سلم - : "لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" ، و قوله : "إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" و عن شعيب عن أبيه عن جده قوله-صلى الله عليه و سلم:"لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة".
3- إن أساس التوريث الإسلامي تقسيم الشارع للتركة بين الورثة، و قد أعطى للمورث الثلث يعطيه من يشاء من غير الورثة، فإذا جاء المورث و أعطى هذا ومنع ذلك فقد غاير قسمة الشارع، و زاد بعض الأنصبة و أنقص أخرى (1).
4- إن ثمة إجماعا من الصحابة - رضوان الله عليهم - من أن الوصية غير واجبة للوالدين، و لم يلزموا بها ،و لو صح خلاف ذلك لأقدموا عليها .
و لقد خالف المشرع الجزائري أغلب القوانين العربية و اعتمد الرأي الأخير المشار إليه سابقا ؛و هذا في المادة 189 من قانون الأسرة التي تنص على أنه : "لا وصية لوارث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي"، و اعتبر الوصية لوارث صحيحة، و لكنها موقوفة على إجازة خاصة من الورثة، و يستخلص ذلك من النسخة الفرنسية لهذه المادة (2) التي تعتبر أن الوصية لوارث لا تنتج أثرها إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، و عليه فهي صحيحة، و لكن أثرها لا يسري إلا بإجازة الورثة . و يجب الإشارة هنا أنه إذا أجاز بعض الورثة الوصية و لم يجزها البعض الآخر كانت نافذة في حق من قبلها دون تنفذ في حق من لم يقبلها من الورثة .
و المشرع الجزائري بهذا الموقف قد تفادى خلق الشقاق و الأحقاد بين الورثة، بمنع الوصية للوارث بصفة مطلقة، كما فعل القانون المغربي، وذلك تجاه بعض الحالات المشروعة كالولد المصاب بعاهة أو مرض مزمن، و يريد والده الإيصاء له لتأمين حياته و لعلاجه . كما انه قد اجتنب أيضا ما قد يثير البغضاء بين آحاد الأسرة بالسماح المطلق لنظام الوصية للوارث، على غرار المشرع المصري، لأن ذلك سيوغر صدر من لم ينالوا ما نال ذوالحظوة، و لن يكون سبيل عدل بل سيكون في أكثر أحواله لغير ذي الحاجة .
-------------------
(1) محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. المرجع السابق. ص 63 .
(2) Voir l’article 189 : « le testament fait au profit d’un héritier ne produit effet que si les co-héritiers y consentent après le décès du testateur. »
و قد قضت المحكمة العليا بقاعدة عدم جواز الوصية لوارث إلا إذا أجازها الورثة في العديد من قراراتها منها القرار الصادر بتاريخ 05/03/1990 ملف رقم 59240 (1)، وكذا القرار الصادر بتاريخ 24/11/1992 ملف رقم 86039 (2).
و تطبيقا لقاعدة عدم جواز الإيصاء لوارث، يجب الإشارة إلى أن العبرة في تحديد صفة الوارث - أي في كون الموصى له من الورثة أومن غير الورثـة - هي بتاريخ وفاة الموصي، لا تاريخ إنشاء الوصية، كما أن العبرة بالإجـازة التي يعبر عنها بعد وفاة الموصي لأن الوصية تمليـك مضاف إلى ما بعد الموت، وهذا ما جـاءت به المادة 189 من قانون الأسرة .
و يشترط في صحة الإجازة، أن تقع فيما يملك الورثة، كما أن الوارث الذي تعتبر إجازته هو الوارث الذي يكون أهلا للتبرع، وهو كامل الأهلية، البالغ، العاقل،الذي لم يحجر عليه وذلك لأن الإجازة تبرع و التبرع تصرف ضار ضررا محضا، لذا فإذا كان الوارث عديم الأهلية أو ناقصها للأسباب التي يقررها القانون ، فإن تصرفه بالإجازة يكون باطلا بطلانا مطلقا طبقا للمواد 40، 42، 43، و 44 من القانون المدني و المواد 81، 82،و 83 من قانون الأسرة.
إضافة إلى ذلك لا بد أن يكون الوارث عالما علما كاملا بالوصية ليجيزها (3) لأن الجهالة تمنع صحة التصرف .

الفرع الثاني :عدم تجـاوز الموصى به ثلث التـركة
من القيود الواردة على الوصية ما تعلق بالموصى به، و المتمثلة في إشتراط حدود للوصية هي عدم تجاوز الموصى به ثلث التركة، وهذا ما أجمع عليه الفقهـاء مستندين على حديث سعد بن أبي وقـاص إلى الرسـول - صلى الله عليه و سلم - قال سعد - رضي الله عنه - : جاءني رسول الله صلى الله عليه و سلم ، يعودني من وجع اشتد بي، فقلت يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى و أنا ذو مال، و لا يرثني إلا إبنة لي، فأتصدق بثلثي مالي، قال:كلا، فقلت، فالشطر، قال:كلا، قلت فالثلث يا رسول الله، قال : "الثلث، و الثلث كثير، انك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"(4).
وكذا قوله صلى الله عليه و سلم :"إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند مماتكم" (5)
يتضح من هذه الأحاديث أن ما زاد عن ثلث التركة إنما هو خالص للورثة فإن رفضوه لا يجوز لأحد أن ينفذ عليهم ذلك، لذا يستحب في الفقه الإسلامي أن يوصي الإنسان بما دون الثلث، سواء كان الورثة أغنياء أم فقراء .
و قد نصت المادة 185 من قانون الأسرة على ما يلي : "تكون الوصية في حدود ثلث التركة، و ما زاد على الثلث تتوقف على إجازة الورثة" .
-------------------
(1) قرار المحكمة العليا. الصادر بتاريخ 05/03/1990 ملف رقم 59240. المجلة القضائية. العدد الثالث. 1992. ص 57 .
(2) قرار المحكمة العليا. الصادر بتاريخ 24/11/1992. ملف رقم 86039 . الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 292 .
(3) عبد الرزاق أحمد السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. أسباب كسب الملكية. المجلد التاسع. دار إحياء التراث العربي.لبنان. 1986. ص 213 .
(4) رواه البخاري و مسلم.
(5) رواه ابن ماجه و الدارقطني .
و هذا ما قضت به المحكمة العليا في قراراتها، ومن بينها القرار المؤرخ في 24/02/1986 (1)، وكذا القرار المؤرخ في 29/07/1997 (2).
و عليه إذا تجاوزت الوصية الثلث القانوني، فيذهب الفقه المالكي إلى أن الوصية لغير الوارث في هذه الحالة تقع باطلة بالنسبة للزيادة، أما إذا أجازها الورثة فإنها تأخذ حكم الهبة من أموالهم، و في رأي آخر للمالكية إعتبروا أن الزيادة صحيحة، و لكنها موقوفة على إجازة الورثة بشرط أن تكون الوصية لغير وارث.
أما الأحناف فقد قرروا أن الوصية بأكثر من الثلث تصح، و لا تقع باطلة، بل يتوقف نفاذها على إجازة الورثة لأن الوصية مهما يكن مقدارها تصرف من الموصي في الملكية، و الأصل في تصرف الإنسان في ملكه النفاذ، و إنما امتنع النفاذ في الزائد عن الثلث لتعلق حق الورثة بالثلثين وقت تنفيذ الوصية، فإذا أجازوا فقد زال المانع و بقي السبب المنشىء لملكية الموصى له قائما وهو وصية الموصي .
لذا فقد إعتبر الأحناف أن الإجازة، و إن كانت بالنسبة للوارث تبرعا فإن التمليك لا يكون منه و إنما من الموصي، فليست الإجازة منشئة للحق حتى يستند التمليك للوارث، بل هي منفذة للحق و إنشاؤه كان بالعبارة المنشئة للوصية .
و يعتبر الشافعي أن الوصية بما زاد عن الثلث باطلة في أحد قوليه، وعليه فإجازة الورثة تمليك مبتدأ، أي الإجازة تمليك من جانب الوارث، لا من جانب الموصي .
و بالرجوع إلى المادة 185 من قانون الأسرة نجدها اكتفت بالنص على أن الوصية تكون في حدود الثلث و أن ما زاد عنه يتوقف على إجازة الورثة .
و تجدر الإشارة إلى أنه لو أجاز بعض الورثة الزيادة عن الثلث، و امتنع بعضهم عن الإجازة نفذت الوصية في حق المجيز، و بطلت الزيادة عن الثلث في حق غير المجيز، و لذا نقسم التركة تقسمين أحدهما على فرض الإجازة و الآخر على فرض عدم الإجازة؛ فمن أجاز أخذ نصيبه على فرض الإجازة، ومن لم يجز أخذ نصيبه على فرض عدم الإجازة .
و الإجازة المعتبرة تكون بعد الوفاة، و لا عبرة بالإجازة قبل الوفاة، لأن تنفيذ الوصية هو وقت الوفاة و قبل ذلك لا يعرف الورثة على التعيين، كما أن الصفة التي هي سبب الحق لم تتحقق بعد، والإجازة تبرع بحق و لا يكون التبرع قبل ثبوت الحق كما أنه يجب أن تكون الإجازة صريحة لا يساورها أدنى شك (3) ، و يشترط في الوارث المجيز أن يكون أهلا للتبرع كما سبق بيانه في الفرع السابق .
و عليه لا يثور الإشكال في حالة تجاوز الموصى به ثلث التركة و وجد ورثة يجيزونه أو يرفضونه، و إنما يطرح في حالة عدم وجود ورثة للموصي، فالزيادة عن الثلث باطلة عند كل من المالكية و الشافعية، و تؤول لبيت مال المسلمين،

-------------------
(1) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 24/02/1986 ملف رقم 40651. غير منشور. مشار إليه. عمر حمدي باشا. المرجع السابق. ص 167 .
(2) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 29/07/1997. ملف رقم 166090. الإجتهاد القضائي لغرفة الحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 298 .
(3) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 14/03/2001. ملف رقم 241885 . المجلة القضائية. العدد الأول 2002 ص 133 : " إن القرار المطعون فيه لما قرر عدم وجود ما يثبت اعتراض الوارث على الوصية أثناء حياته و بالتالي فان اجازته للوصية تصبح نافذة يكون قد بنى هذه الإجازة على وجود الافتراض و الظن مخالفا بذلك أحكام المادة 185 من قانون الأسرة التي تجعل من الوصية التي توصي بأكثر من الثلث متوقفة على إجازة الورثة للابتعاد عن أدنى شك."
أما عند كل من الأحناف و الحنابلة فإن الزيادة عن الثلث تصح، لكن بعد إيفاء الديون إن وجدت (1).
أما قانون الأسرة فإنه أغفل هذه الفرضية - أي عدم وجود الورثة - و ذلك بعدم النص عليها، لكن بالرجوع للقواعد العامة في الميراث الواردة بالمواد من 126 إلى 183 من قانون الأسرة فإن المادة 180/4 منه تنص على أنه في حالة عدم وجود وارث فإن التركة تكون من حق الخزينة العامة، و قياسا على ذلك فإننا نرى أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه المالكية ففي حالة عدم وجود ورثة فإن ما زاد عن الثلث يؤول إلى الخزينة العامة .
إضافة إلى ما سبق ، يجب لتطبيق هذه الأحكام أن نحدد وقت تقدير الثلث وكيفية تقديره .
فبالنسبة لوقت تقدير الثلث، فقد اختلفت في ذلك آراء الفقهاء، و الخلاف قائـم على أساس استقرار الملكيـة، و الزيادة أو النقصان في التركة بعد موت الموصي و قبل القسمة .
فالرأي المشهور عند المالكية و الأحناف أن وقت تقدير ما يتركه الموصي هو وقت القسمة، و قبض كل من الورثة و الموصى له حقوقهم؛ لأنه الوقت الذي تنفذ فيه الوصية .
أما الشافعية و الحنابلة فإنهم يرون أن وقت تقديره وقت الوفاة؛ و ذلك لأن الوصية تلزم بالموت من جهة الموصي و يثبت بها الملك للورثة، و الموصى له .
والقانون الجزائري لم يورد نصا فيما يخص هذه المسألة، و عليه يستوجب الرجوع إلى ما جاء به مذهب الإمام مالك تطبيقا للمادة 222 من قانون الأسرة .
أما بالنسبة لكيفية تقدير التركة، فيجب أولا توضيح أن تقدير التركة لا يكون إلا بعد سداد الديون، فالثلث المعتبر هو مما يكون تركة خالصة من كل دين، لأن الورثة يخلص لهم ثلثا الباقي بعد سداد الديون، وهذا ما يستشف من المادة 185 من قانون الأسرة بقولها : "تكون الوصية في حدود ثلث التركة" فالمقصود بكلمة التركة "patrimoine" هنا الأموال الخاضعة للوصايا، و المواريث بعد قضاء ديون العباد .
و إن كان تقدير الثلث لا يثير إشكالا في كيفيته بالنسبة للوصية بالأعيان -لأن الوصية تقدر بقيمة العين نفسها- فإن الصعوبة تطرح عندما يتعلق الأمر بالوصية بالمنافع (2) فقد اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين :
- رأي أبي حنيفة و الإمام مالك أن الوصية بالمنفعة تقدر بقيمة العين الموصى بمنفعتها أيا كانت المدة لا بقيمة المنفعة مستقلة، و عللوا ذلك بأن الوصية بالمنافع فيها منع العين عن الوارث لمدة طالت أو قصرت، و تفويت للمقصود من الأعيان و هو الإنتفاع بها .
- رأي الشافعية و الحنابلة هو أن قيمة الوصية بالمنافع تقدر بقيمة المنافع نفسها في مدة الوصية لأن تقدير قيمة الوصية يكون بقيمة ما يناله الموصى له منها، فتقدر قيمة المنافع مجردة عن العين ذاتها .
وطريقة تقدير قيمة المنفعة هو أن يعرف أجر المثل للعين التي تحمل المنفعة في مدة الوصية، أما إذا كانت الوصية بالمنافع مؤبدة فتقدر العين بمنفعتها، و يعتبر خروجها عن الثلث .
-------------------
(1) العربي بلحاج. المرجع السابق. ص 297 .
(2) تنص المادة 190 : "للموصي أن يوصي بالأموال التتي يملكها و التي تدخل في ملكه قبل موته عينا أو منفعة".
المطلب الثالث : علـة و أسـاس تقييــد الوصيــة

حفاظا على حقوق الورثة المحتملين - الذين ستؤول إليهم التركة - من الوصايا التي قد تؤثر عليها، فإن الشريعة الإسلامية و المشرع الوضعي (عملا بأحكام هذه الأخيرة) قد قيدت حرية الإيصاء بالرجوع إلى أسس شرعية حاولنا إجمالها في نقطتين أساسيتين هما منع الإضرار بالورثة و تنظيم أحكام الوصية باعتبار إضافتها إلى ما بعد الموت موازاة مع تنظيم الشارع الحكيم لأحكام الميراث .

الفرع الأول :منـع الإضـرار بالورثـة
إن الأصل أن الوصية في مفهوم الإسلام هي باب من أبواب الإنفاق على الأقرباء الذين لا يرثون، و على أصحاب الخير، وعموما على وجوه الخير كالوصية للفقراء أو لدور العلم و المستشفيات، أي أن الهدف منها هو تحقيق التكافل الإجتماعي، إلى درجة تقرير وجوب الوصية في بعض الحالات بحكم الشرع و القانون وهو ما يسمى بالوصية الواجبة أي التنزيل طبقا للمواد 169 إلى 172 من قانون الأسرة، واعتبار الوصية مكروهة في حالات أخرى كوصية صاحب المال القليل للغير مع أن ورثته كثيرون ومحتاجون مصداقا لقوله - صلى الله عليه و سلم - : "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" .
و عليه فتحقيقا لهذا الغرض النبيل للوصية، إعتبرت الشريعة الإسلامية الوصية باطلة إذا كان القصد منها هو الإضرار بالورثة وحقوقهم، و هذا مصداقا لقوله تعالى :"من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله و الله عليم حليم" (1) .
و لذا حقق بعض العلماء بطلان ما يسمى بوصية الضرار؛ وهي التي يقصد بها الإضرار بالورثة كأن يوصي الشخص بثلث ماله لبعض جهات البر إن تزوج إبنه من فلانة و يصرح بأنه كان يود أن يوصي بكل ماله في هذه الحال لو لم يكن القانون يمنعه من ذلك، فالقصد هنا مضارة الوارث، وهذا الباعث مناف لمقاصد الشارع فالوصية المشتملة على الضرار مخالفة لما شرعه الله تعالى وما كان كذلك فهو معصية (2) .
و عن ابن عباس - بإسناد صحيح - أن وصية الضرار من الكبائر، فما أحق وصية الضرار بالإبطال من غير فرق بين الثلث وما دونه و ما فوقه، وهذا تطبيقا لقوله - صلى الله عليه و سلم - : "الإضرار في الوصية مـن الكبائر" (3) ، و لا يجب أن يفهم من عدم جواز وصية الضرار بطلانها عندما تكون نية أو قصد المورث الإضرار بالورثة فقط؛ بل أن عنصر الإضرار يتحقق في الحالتين التاليتين :
1- إذا اتجهت نية الموصي إلى الإضرار، أي إذا قصد حرمان ورثته من بعض ماله، كأن يقر بذلك صراحة في الوصية ، -------------------
(1) سورة النساء. من الآية 12 .
(2) لم يشتمل قانون الأسرة على نص يتعلق بوصية الإضرار مما يتعين معه تطبيق ما جاءت به الشريعة الإسلامية طبقا للمادة 222 منه .
(3) رواه الدارقطني في سننه .
أو أن يستخلص ذلك من اشتمال الوصية على شرط يتوقف تنفيذها على تحققه بأن يوصي الشخص بجزء من ماله إذا تصرف وارثه تصرفا معينا، بينما يرى الإمام مالك أن الوصية إذا كانت مشروعة و في حدود الثلث وكانت لغير وارث فيقتضي العمل بها .
2- كما يتحقق عنصر الإضرار بالرغم من عدم وجود نية الإضرار إذا أوصي بأكثر من ثلث التركة، أو إذا أوصي لأحد الورثة دون باقي الورثة أو أوصي لجهة معصية، فقد فسر القرطبي"غير مضار"من آية المواريث السالفة الذكر أن مدخل الضرر على الورثة بأن تزيد الوصية على الثلث أو بأن يوصى للوارث، ومن ثم جاء تقييد الإيصاء بهذه القواعد.
فلا يشترط الفقه توفر نية الإضرار، بل يكفي تحقق الضرر الأكيد بالنسبة لحقوق الورثة لقوله - صلى الله عليه و سلم -: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ".
و عليه فقانون الأسرة بتقييده الوصية خصوصا في عدم إجازته الوصية لوارث يكون قد تماشى مع بعض القواعد الفقهية المشهورة منها "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" و "الحكم يتبع المصلحة الراجحة" فهو يحقق المصلحة الراجحة المتمثلة في الإبقاء على كيان الأسرة ووحدتها، و الحفاظ على صلات الرحم بين أفرادها، فهذا يتحقق بعدم جواز الوصية لوارث ؛ حتى لا تنحصر ثروة المـوصي كلـها في وارث واحد على حسـاب مبادئ التكافل الإجتماعي و النظام العام الإسلامي في تنظيم تداول الأموال، وتوزيعها بين أكبر عدد ممكن ممن هو أقرب صلة بالميت من ذوي قرابته، و بذلك كان المشرع الجزائري متماشيا مع الآراء الإجتهادية، ومع روح نظام الوصية ، ونظام الإرث الإسلاميين .

الفرع الثاني :تـولي الشرع الخلافـة في المـال بالتنظيـم
من أسباب الملكية الملكية بالخلافة عن المالك، و التي تؤول فيها الملكية من شخص له صلة بالمالك الهالك، وذلك لضرورة انتقال ما كان له من أموال وحقوق إلى آخر يعد خليفة له . وهذه الخلافة تثبت بسببين :
1- إما بحكم الشارع؛ وهذا في المواريث أين تكون الخلافة بحكم من الشارع، لا بإرادة المورث، بل و حتى من غير إرادة الوارث، لذا قيل أنه لا يدخل شيء في ملك الإنسان جبرا عنه سوى الميراث (1).
2- و قد تثبت هذه الخلافة بإرادة المتوفي؛ وهذا في الوصية فالموصى له يملك ما يوصى به بمقتضى ما صدر عن الموصي، و تسمى بالخلافة الإختيارية ، و الموصى له يبقى دائما قبل هذه الخلافة مختارا .
و الأصل أن الشارع هو الذي يتولى أمر الخلافة في مال الميت، و ينظمها حيث جعل الميراث في نطاق الأسرة لا يعدوها؛ و هذه لحماية لهذه الأخيرة، و إقامة بنيانها، وتوثيق العلاقة بين آحادها مما يقوي دعائمها و يوثق الصلات و ينمي التعاون بين أفرادها .
و لذا فإن الشريعة الإسلامية سلبت من المورث أمر الخلافة في ثلثي ماله، وهذا لتقسيم المال للأسرة بالقسطاس المستقيم .

-------------------
(1) محمد أبو زهرة. أحكام التركات و المواريث. دار الفكر العربي. مصر. ص 5 .
والتوزيع العادل الذي تولاه الله سبحانه و تعالى يقوم على أسس ثلاثة هي :
1- أنه يمنح الميراث للأقرب إلى المتوفي، ولذا كان أكثر الأسرة حظا في الميراث الأولاد، ومع ذلك يشاركهم فيه غيرهم كالأبوين مثلا؛ و هذا لمنع تركيز المال في ورثة معينين، فيكون الإشتراك في المال بدل الإنفراد و الإستئثار .
2- مراعاة الحاجة، فكلما كانت الحاجة أشد كان العطاء أكثر، وهذا هو السبب في أن نصيب الأولاد كان أكثر من نصيب الأبوين مع قوله - صلى الله عليه و سلم - :"أنت ومالك لأبيك" باعتبار أن حاجة الأولاد إلى المال أشد لضعفهم و استقبالهم للحياة . كما أن هذا هو سبب جعل نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى باعتبار أن التكاليف المالية التي تطالب بها المرأة دون التكاليف التي يطالب بها الرجل كالعمل لتوفير القوت أو نفقة الأولاد، و إن الإعطاء على مقدار الحاجة هو العدل، والمساواة عند تفاوت الحاجات هي الظلم (1).
3- إن الشريعة الإسلامية تتجه في تقسيم التركة إلى التوزيع دون التجميع، فلم تجعل وارثا ينفرد بها دون سواه، ولم تطلق يد المورث يختص بها من يشاء، بل وزعتها على عدد من الورثة، وهذا ما يتبين من التوزيع العادل و القائم على أسس منصفة من أمثلتها أن الوارث الذي أدلى إلى الميت بوارث يحجب عند وجود ذلك الوارث تفاديا لجمع التركة في حيز واحد، و غيرها من الأحكام التي تعكس ذلك .
إن قسمة الله العادلة وتوزيعه الحكيم لا يحتم أن يساوي الغني و الفقير، و القادر على الكسب من يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة، فإنه بالمقابل منح حق الوصية لكي يتدارك الشخص ما عساه قد يكون فاتـه في حياته من واجبات مصداقا لقولـه - صلى الله عليه و سلم - : "إن الله تبارك و تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم فضعوه حيث شئتم". لكنه حد حدود الوصية في القدر الذي تجوز فيه و في صفة الموصى له و في الباعث عليها، ولم يترك الأمر فيها لإرادة الموصي المطلقة؛ فإذا جاء المورث فأعطى هذا و منع ذلك فقد غاير قسمة الشارع الحكيم و زاد بعض الأنصبة و أنقص أخرى .
لذا تم رسم حدود الوصية على الوجه الذي لا يسمح بالمساس بحقوق الورثة كما سبق الذكر، و ترك المجال للإيصاء في حدود الثلث فقط و لغير الورثة، إبتغاء عدم المساس بما جاءت به أحكام الشريعة الغراء على الشكل الذي يمس بعدالة الخلافة في المال (2) على إعتبار تولي الشارع الحكيم قسمة التركات و بيان أنصبة الورثة و منح لكل ذي حق حقه في ثلثي التركة لقوله تعالى : "يبين الها لكم أن تضلوا و الله بكل شيء عليم" (3) .
و في الأخير و بعد توضيح الأسس السابقة الذكر يستخلص أن الشريعة الإسلامية حافظت بذلك على كيان الأسرة باعتبارها وحدة البناء الإجتماعي، إذ انه منذ بداية انحلال الروابط بين أفراد الأسرة يبدأ انحلال المجتمع في الأمة الواحدة، فسلب إرادة المورث في الإيصاء لوارث و كذا في ثلثي التركة لم يكن إلا لحماية الأقربين له، فهي لم تسلب منه إلا ليعطى المال للأسرة بالقسطاس المستقيم، و لكيلا يكون في النفس جفوة المنع والإعطاء إن تولى ذلك المورث .
-------------------
(1) محمد أبو زهرة. أحكام التركات و المواريث. المرجع السابق. ص 210 .
(2) فنظام المواريث من النظام العام لا يملك الإنسان الحق في تغييره و تبديله .
(3) سورة النساء . الآية 176.
المبحـث الثانـي
أسس حماية الورثة في التصرفات الملحقة بالوصية

إن الشريعة الإسلامية التي هي المصدر الأساسي لقانون الأسرة الجزائري، جعلت للوارث إبان حياة مورثه حقا في ماله يتقيد به حق التصرف بالوصية لوارث آخر أو بمقدار معين لأجنبي على التفصيل الذي سبق بيانه، بل أن المشرع ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فأقر بطلان التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة ولو كان برضاه (المادة 92/2 من القانون المدني) كما جرم الإستيلاء على أموال التركة (المادة 363/1 من قانون العقوبات) .
و في بعض الحالات، و رغبة من المورث في حرمان بعض الورثة من حقهم الثابت في الميراث، أو تفضيلا لبعضهم على آخرين، أو رغبة منه في تقسيم تركته حال حياته، فإنه يصبغ على تصرفاته شكل تصرفات منجزة كالبيع أو الهبة وهذا تحايلا على القانون وتهربا من تقييد حريته في الإيصاء . إلا أن هناك قرائن يستخلص منها هذا التحايل أنشأ من خلالها المشرع قرينة قانونية بنص المادة 777 من القانون المدني مثلا ،كما أن المريض مرض الموت وهو يشعر بدنو أجله قد يفضل أحد الورثة أو أجنبيا فيحابيه بتصرف منجز أو مضاف إلى ما بعد الموت، وهذا ما ألحقه المشرع بالوصية .أيضا في العديد من النصوص القانونية - كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني - .
وعليه سنحاول فيما يلي توضيح الأسس التي تدخل المشرع بناء عليها في هذا المجال في التصرفات التي يبرمها المورث بصفة عامة في مطلب أول، و بصفة خاصة في تصرفات المريض مرض الموت في مطلب ثان .

المطلب الأول : الأسـاس العام الذي تقوم عليه قرينة الإيصاء

لقد أقام المشرع سواء بموجب أحكام القانون المدني أو قانون الأسرة قرائن قانونية مفادها أن بعض التصرفات التي يبرمها الشخص في أمواله تأخذ حكم الوصية، و بالتالي تسري عليها أحكامها، وذلك منعا للتحايل على أحكام القانون الواردة في مجال الوصية، وهذا تدعيما لسلطة القاضي في تكييف التصرفات القانونية .

الفرع الأول : منع التحايل على أحكـام القانون
كثيرا ما يلجأ الأفراد من الناحية العملية إلى وصف تصرفاتهم بأنها تصرفات منجزة كالبيع مثلا أو الهبة، رغم أنها تكون في حقيقتها تصرفات مضافة إلى ما بعد الموت، وهذا ما يعتبر سترا للوصية تحايلا على أحكام القانون الآمرة المقيدة لحرية الإيصاء، و التي سبق الإشارة إليها ؛لأن القصد هنا هو التبرع من ناحية، و إضافة التمليك إلى ما بعد الموت من ناحية أخرى ، وهي بذلك تحقق كل أهداف الوصية دون أن تتقيد بأحكامها الآمرة (1) فيلجأ الطرفان مثلا إلى إظهـار

-------------------
(1) سمير عبد السيد تناغو. عقد البيع. منشأة المعارف الإسكندرية. مصر. ص 29 .
الوصية بمظهر البيع فيذكر في العقد ثمن صوري لا يلتزم المشتري به في حقيقة الأمر، أو يصبغون عليه مظهر الهبة بإبرامه في شكل تصرف منجز، و لكن يحرص على أن تبقى للبائع المزايا العملية للملكية فيحتفظ البائع بحق الإنتفاع بالعين المبيعة طول حياته، أو يشترط منع التصرف في العين محل العقد طوال حياة المتصرف، و الواقع أنه لا يجب التقيد في هذا الصدد بما يضفيه الأفراد على تصرفاتهم من أوصاف، وإنما يجب الإعتداد بما يثبت من الناحية الواقعية (1) ، و عليه يكون لكل ذي مصلحة كالوارث - بوصفه من الغير - أن يتمسك بالتصرف الحقيقي، و أن يثبت التحايل و قصد التبرع و إضافة التمليك إلى ما بعد الموت، و غالبا ما يتم الإثبات عن طريق القرائن القضائية (2) ، كأن تستخلص منه نية التبرع من كون المتصرف إليه لم يقبض ثمنا للبيع، أومن عدم جدية الثمن أو عدم قدرة المشتري على دفعه، وكأن تثبت نية إضافة الملك إلى ما بعد الموت من عدم تنفيذ التصرف قبل الوفاة أومن شمول التصرف لكافة ممتلكات المتصرف، أو عدم تسجيل سند التصرف و الإحتفاظ به لدى المتصرف طوال حياته (3) .
و اعتمادا على هذه القرائن و غيرها فإن على الورثة أن يقيموا الدليل على عدم صحة ما ورد في تصرف المورث؛ فعبء الإثبات يقع يقع عليهم، و ما سبق ليس سوى قرائن قضائية يتوسل بها الطاعن إلى إثبات دعواه، و القاضي بعد ذلك حر في أن يأخذ بها أو لا يأخذ، حيث لا يترتب على مجرد وجودها إعتبار التصرف وصية .
لذا و تيسيرا من المشرع عبء الإثبات في هذه الحالة، فقد حرص القانون على تقرير قرائن قانونية يستنبط منها إعتبار التصرف وصية، سواء تم في مرض الموت (المواد 776، 408 و 409 من القانون المدني، و المواد 204و215 من قانون الأسرة)أو اقترن التصرف بشروط معينة (المادة 777 من القانون المدني)، و هي قرائن تغني من تقررت لمصلحته عن إثبات أي شيء آخر إذا توافرت شروطها، فالهدف من تقرير هذه القرائن القانونية هو إعفاء الورثة من الإثبات لتحقيق مصلحة عامة هي التضييق على من يحاول التحايل على القانون (4) .
و بالمقابل ، فإن خلو العقد من شروط القرينة القانونية لا يصلح دليلا لنفي الوصية المستترة، و على القاضي التحقق من توافر شروطها على ضوء ظروف الدعوى وملابساتها غير متقيد بما ورد في العقد، حيث يجوز للطاعن إثبات دعواه بطرق إثبات أخرى، وهذا لجواز إثبات التحايل على القانون بكافة طرق الإثبات .
و لتوضيح ذلك يجب في هذا المجال التفرقة بين أعمال الدفع بالصورية، و الدفع بالتحايل على نظام الإرث :
إذ أن الصورية هي أن يتعمد المتعاقدان إخفاء حقيقة علاقتهما تحت مظهر كاذب، ونجد أمامنا تصرفا ظاهرا
-------------------
(1) توفيق حسن فرج. الوجيز في عقد البيع. الدار الجامعية. 1988. ص 23 .
(2) تنص المادة 340 من القانون المدني: "يترك لتقدير القاضي إستنباط كل قرينة لم يقررها القانون و لا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة" فالقرينة القضائية هي أن يستخلص القاضي من واقعة معلومة نتائج تؤدي إلى إثبات واقعة معينة. للقرينة القضائية عنصران : مادي هو الواقعة التي يختارها القاضي،و معنوي هو الإستنباط، و بالتالي القرينة القضائية هي تحويل للإثبات من محل إلى محل آخر لأن إثبات المحل الأول صعب عن طريق الإثبات المباشر. عبد الرحمن ملزي.محاضرات في طرق الإثبات في المواد المدنية و التجارية.المعهد الوطني للقضاء. الدفعة الرابعة عشرة. السنة الأولى.2003/2004.
(3) أنظر في بعض التصرفات التي كيفت أنها وصايا مستترة لقيام قرائن قضائية من طرف القضاء المصري. عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 230 .
(4) القرائن القانونية من بين طرق الإعفاء من الإثبات و هذا الإعفاء يتقرر إما لتحقيق مصلحة عامة أو مصلحة خاصة أو للأخذ بالمألوف المتعارف بين الناس . عبد الرحمن ملزي. المرجع السابق .
يخفي تصرف حقيقيا مختلفا عنه، و له شروط أخرى مستترة هي التي اتجهت إرادة المتعاقدين إليها .
أما التحايل على القانون فقد يكون بغير صورية متى كانت شروط العقد ظاهرة غير مستترة كالهبة مع الإحتفاظ بالحيازة والإنتفاع مدى الحياة (1) .
وعليه على الوارث الذي يدعي الصورية عبء الإثبات، إذ أنه يدعي خلاف الظاهر بإعتبار الصورية دفعا مقررا طبقا للقواعد العامة، و الورثة لا يعتبرون في هذه الحالة من الغير و إنما يستمدون حقهم من مورثهم، فلا يجوز لهم إثبات الصورية إلا بما كان يجوز لمورثهم أن يثبتها به من طرق الإثبات باعتبارهم من الخلف العام .
أما إذا ادعى الورثة وجود وصية مستترة تحايلا على تقييد حرية الإيصاء فإنهم يستمدون حقهم من القانون مباشرة لا من المورث، حماية لهم من تصرفات المورث التي قصد بها التحايل على القانون، باعتبار أن التركة حق مقرر للوارث و أن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاة المورث، و بذلك متى تعدت نصابها مست بالميراث، فهنا يتغير المركز القانوني للورثة من الخلف العام إلى الغير، و بالتالي جاز لهم الإثبات بكافة الطرق دون التقيد بقاعدة عدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة، على أساس وجود غش أو تحايل على القانون (2) .

الفرع الثاني : سلطة القاضي في تكييف التصرفات القانونية
في حالة تستر الوصية تحت وصف آخر تظهر جليا سلطة القاضي في تكييف التصرف حماية للورثة، و بالتالي تثار هنا مسألة تفسير وتكييف التصرفات؛ فتكييف القاضي للتصرف يقتضي أولا تفسير إرادة المتعاقدين، وهذا ما هو من صميم عمل القاضي للتعرف على نية المتعاقدين في التوجه إلى إبرام تصرف مـا بتطبيق المادتين 111 و 112 من القـانون المدني .
و التفسير مسألة موضوعية لا يخضع فيها القاضي لرقابة المحكمة العليا ما دام قد التزم القواعد التي نص عليها المشرع في التفسير، بأن استخلص إرادة المتعاقدين من وقائع حقيقة مطابقة للثابت في أوراق الدعوى وتؤدي فعلا للنتيجة التي استخلصها، إلا أن رقابة المحكمة العليا تنصب على احترامه لقواعد التفسير المنصوص عليها بالمواد 111 و 112 من القانون المدني منها عدم الإنحراف على عبارات العقد الواضحة (3) و قاعدة تفسير الشك لمصلحة المدين مع استثناء عقود الإذعان.
و بعد إستخلاص القاضي إرادة المتعاقدين يسقط عليها حكم القانون من أجل تكييف التصرف و الكشف عن ماهيته، أي إعطائه الوصف القانوني.
و لا تتقيد المحكمة بالتكييف الذي جاء به الأطراف بل تصححه من تلقاء نفسها ، شأن قواعد التكييف في ذلك
-------------------
(1) محمد حسنين. عقد البيع في القانون المدني الجزائري. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. الطبعة الرابعة. 2005. ص 6 ،7 .
(2) مصطفى محمد الجمال. نظام الملكية. منشأة المعارف الإسكندرية. مصر. ص 407 .
(3) و هذا ما أكدته المحكمة العليا في قرار صادر عن غرفة الأحوال الشخصية و المواريث بتاريخ 16/01/2002 ملف رقم 278004 .المجلة القضائية. العدد الأول 2003. ص 367 : "إذا كانت عبارات العقد واضحة فلا يجوز الإنحراف عنها عن طريق تأويلها للتعرف على إرادة المتعاقدين .و عليه فإن القضاء برفض الدعوى الرامية إلى إلغاء عقد الوصية هو قضاء سليم مادام قصد الهالك ينصرف إلى توزيع أملاكه على الورثة أثناء حياته" .
شأن سائر القواعد القانونية تطبقها المحكمة تلقائيا و لا تطلب عليها دليلا، و عليه إذا تعمد المتعاقدان أن يكيفا التصرف تكييفا غير صحيح بقصد التحايل على القانون و أحكام الميراث بستر الوصية في مظهر تصرف منجز مثلا، فالقاضي يصحح هذا التكييف و يرد على المتعاقدين قصدهما، فالعبرة بالواقع و ليس بما يضفيه الأشخاص، وقد يثبت للقاضي أن العقد وصية، و يستعين في إستجلاء الحقيقة بالظروف الملابسة للقضية و ملف الدعوى و القرائن التي تساعد على ذلك .
و التكييف عملية قانونية يقوم بها القاضي حتى يتمكن من تطبيق أحكام القانون على التصرف، سواء كانت هذه الأحكام آمرة أو مكملة و القاضي في ذلك يخضع لرقابة المحكمة العليا، فهو بصدد مسألة قانونية محضة، لأنه يترتب على التكييف آثار قانونية إذ أنه يطبق القانون على الواقع، و تطبيق القانون من المسائل القانونية (1).
فآثار تكييف التصرف بأنه وصية تتمثل في تطبيق أحكام الوصية عليه من حيث عدم جواز الإيصاء بأكثر من الثلث، وعدم جواز الإيصاء لوارث و توقف ما خالف ذلك على إجازة الورثة .
و عليه قضت المحكمة العليا في قرار صادر بتاريخ 24/04/2002 أن على القرار الذي قضى بإبطال عقد هبة في مرض الموت أن يقضي باعتبار العقد وصية و يستفيد منها الموهوب له في حدود ما يسمح بذلك موضوع الوصية (2).

المطلب الثاني : أساس حماية الورثة من تصرفات المريض مرض الموت

قد تنتاب الشخص حال حياته فترة مرض يغلب فيه هلاكه، و تؤدي به إلى الوفاة فعلا، حيث يشعر خلالها المريض بدنو أجله وهي حالة تعرف فقها و قانونا بمرض الموت، و قد يبرم المريض خلال هذه الفترة تصرفات قانونية سواء لوارث أو لغيره؛ لذا فإن المشرع نظم أحكام هذه التصرفات في مواد متعددة منها المواد 776، 408 ،409 من القانون المدني و كذا المادة 204 و غيرها من قانون الأسرة، وذلك حماية لورثة المريض .
لذا يقتضي الأمر بنا أن نوضح مفهوم مرض الموت ومن ثم نبين أساس تقييد تصرفات المريض و المتمثل في تعلق حق الورثة بأمواله منذ مرضه .

الفرع الأول :مفهـوم مرض المـوت
لم يأت المشرع بتنظيم دقيق لمرض الموت، و لم يبين تعريفه و ماهيته، بل اكتفى بإيراد أحكام التصرفات الصادرة خلاله في مواد القانون المدني و قانون الأسرة .
و لذلك فالمرجع في تعريفه هو أحكام الشريعة الإسلامية إعمالا للمادة الأولى من القانون المدني في فقرتها الثانية التي تحيل على أحكام الشريعة الإسلامية فيما لا يوجد في حكمه نص، و المـادة 222 من قانون الأسرة باعتبـار مرض المـوت
من مسائل الأحوال الشخصية .
-------------------
(1) محمد صبري السعدي.شرح القانون المدني الجزائري.النظرية العامة للإلتزامات.العقد و الإرادة المنفردة. ج1.دار الهدى.الجزائر. الطبعة الثانية.2004.ص 306
(2) قرار المحكمة العليا. الغرفة العقارية. الصادر بتاريخ 24/04/2002. ملف رقم 229397. المجلة القضائية. العدد الثاني 2002. ص 387 .
فبالرجوع للفقه الإسلامي فقد وردت العديد من التعريفات منهـا : "مرض الموت هو الذي يغلب فيه خوف المـوت ، و يعجز معه المريض عن رؤية مصالحه خارجا عن داره إن كان من الذكور، وعن رؤية مصالحه داخل داره إن كان من الإناث و يموت على ذلك الحال قبل مرور سنة، سواء كان صاحب فراش أو لم يكن" (1) .
و يعرفه البعض أنه المرض الذي يتحقق فيه أمران أحدهـما أن يكون مرضا من شأنـه أن يحدث الموت غالبـا، و ثانيهما أن يموت الشخص بالفعل موتا متصلا به (2) .
و التعريف السائد لمرض الموت في الفقه الإسلامي هو أنه "المرض الذي يغلب فيه الهلاك ويعجز الشخص عن القيام بمصالحه، و يتصل به الموت فعلا، ولو كان المريض قد توفي لسبب آخر كحادث مثلا ما دامت وفاته قد وقعت في أثناء هذا المرض ".
و بالرغم من اختلاف هذه التعريفات في عباراتها و تضارب ظواهرها، إلا أن هذا الإختلاف إنما يدور حول الأمارات و الأوصاف الظاهرة التي يتبين بها مرض الموت، و لكن المعنى المقصود في مرض الموت هو أن يكون المريض في حال يغلب فيها الهلاك و يتوقعه، و تكون تصرفاته لخوف الموت المرتقب (3)، و يؤخذ مما تقدم أن هناك شروطا ثلاثة ليكون المرض مرض موت من شأنها أن تقيم في نفس المريض حالة نفسية هي أن أجله قد دنا، و أنه مشرف على الموت، وهذه الشروط هي كالآتي (4):
1- أن يقعد المرض المريض عن قضاء مصالحه :
ومفاد هـذا الشرط أنه يجب أن يجعـل المرض المريـض عاجزا على قضاء مصالحـه العادية المألوفة، وهي المصـالح التي من العادة أن يقوم بهـا و هـو في صحته كالعمل و التسوق ، وكذا عن قضـاء الحوائج المنزلية إذا كان المريض من الإناث.
و لا يشترط ليكون المرض مرض موت أن يقعـد صاحبه الفراش، فقد لا يلـزمه إيـاه و يبقى مع ذلك عاجزا عن قضاء مصالحه.
و قد يكون الإنسان عاجزا عن قضاء مصالحه دون أن يكون سبب ذلك المرض، فلا يعتبر في مرض الموت؛ فمن كان كذلك بسبب الشيخوخة فيكون لتصرفاته حكم تصرفات الأصحاء، وكذا من يحترف حرفه شاقة يقعده مرضه عنها دون أن يعجزه عن مباشرة المألوف من الأعمال بين الناس .

-------------------
(1) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. العقود التي ترد على الملكية-البيع و المقايضة- المجلد الرابع. دار إحياء التراث العربي.لبنان. ص 313
(2) محمد أبو زهرة. أحكام التركات و المواريث. المرجع السابق. ص 7 هامش 1 .
(3)محمد بن أحمد تقية. دراسة عن الهبة في قانون الأسرة الجزائري مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية و القانون المقارن. الديوان الوطني للأشغال التربوية.الجزائر.2003. ص 114 .
(4) و قد أكدت المحكمة العليا ضرورة توافر هذه الشروط :"...و لما كان ذلك فإن القرار صدر موافقا للقانون متى بين في أسبابه أن الموكل كان حين عقد الهبة مريضا بالسرطان كما هو ثابت من المستندات و هو مرض يغلب فيه الهلاك و قد دخل المستشفى في ... و قد لازمه حتى مات به في ... و لما كان ذلك فإن الموكل لا يستطيع أن يؤدي بنفسه العمل الذي وكل فيه". قرار المحكمة العليا غرفة الأحوال الشخصية و المواريث الصادر بتاريخ 21/02/2001 ملف رقم 256869. المجلة القضائية. العدد الثاني. 2002 . ص 428 .
2- أن يغلب في المرض خوف الهلاك :
إضافة إلى الشرط الأول فإنه يجب أن يغلب على المرض خوف الموت، لأنه ليس كل مرض يغلب فيه الهلاك، فتستبعد الأمراض التي يشفى منها المريض عادة والأمراض البسيطة حتى و إن أقعدت المريض عن قضاء مصالحه أو أدت بـه إلى الوفاة، لأن هذه الأمراض لا يغلب فيها الهلاك،و إنما يغلب فيها الشفاء فتأخذ تصرفاته في هذه الحالة حكم حالة الصحة، كما تستبعد أيضا الأمراض المزمنة إذا طالت بحيث يطمئن المريض إلى ابتعاد خطر الموت العاجل.
فيجب ليعتبر المرض مرض موت أن يكون مرضا خطيرا من الأمراض التي تنتهي عادة بالموت، أو أن يبدأ المرض بسيطا ثم يتطور حتى تصبح حالة المريض سيئة يخشى عليه فيها الموت .
و من بين الأمراض التي يغلب فيها الهلاك السرطان إذا أصاب مناطق أو أجزاء حساسة من الجسم، ومرض السيدا، وكذا مرض السل و غيرها .
و إذا كان هذا الشرط يغني عن الشرط الأول، فقد اختلف الرأي في الفرضية العكسية أي إذا غلب على المرض خوف الموت و لكنه لم يقعد المريض عن قضاء مصالحه ؛ فيذهب البعض إلى أن ذلك يكفي لاعتبار المرض مرض موت و يذهب اتجاه آخر إلى أنه يجب توافر الشرطين معا، لأن الأصل هو أن يغلب في مرض خوف الموت أما قعود المريض عن قضاء مصالحه فهي العلامة المادية التي تشعر المريض بأن المرض يتهدده بالموت، و تغني عنها أي علامة أخر تنبىء بهذا الشعور .
3- أن ينتهي المرض بالمـوت فعلا :
أي أن يعقب الموت المرض مباشرة بحيث لا يفصل بينهما فترة صحة (1)، وهذا سواء كان الموت بسبب المرض نفسه أو بسبب آخر كالموت حرقا أو غرقا، فإذا تصرف شخص في ماله أثناء مرض أقعده عن قضاء مصالحه، و غلب فيه خوف الموت كان تصرفه معتدا به حال حياته فإذا انتهى بالموت جاز الطعن فيه على أساس أنه تم في مرض الموت، أما إذا برىء منه كان حكم تصرفه هو حكم تصرف الأصحاء .
و يتجه الرأي الغالب في الشريعة الإسلامية إلى أنه يشترط وفاة المريض قبل سنة من بدء المرض (2) ، أما إذا مضى أكثر من هذه المدة على بدء المرض و لم يمت المريض لم يعتبر مريضا مرض موت ولو كان المرض من الأمراض المزمنة، لأن القاعدة في هذه الأمراض أنها لا تعتبر للوهلة الأولى مرض موت إذا طالت دون أن تشتد بحيث يطمئن المريض إلى أنه لم يعد هناك خطر داهم و لم يعد يغلب خطر الموت العاجل، لكن إذا اشتد المرض و ازداد و ساءت حالة المريض حتى أصبحت تنذر بدنو أجله و انتهت بالموت فعلا فيعتبر مرض موت من الوقت الذي اشتد فيه حتى و لو بقي مشتدا أكثر من سنة، و لم يمت إلا بعد انقضائها وهذا لتولد الشعور في نفسه بأنه مهدد بالموت في أي وقت .
و يلاحظ أن المحكمة العليا لم تأخذ بشرط وفاة المريض خلال سنة و يستنتج ذلك من قرارها الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية بتاريخ 23/11/1993 (3).
-------------------
(1) خليل أحمد حسن قدادة. الوجيز في شرح القانون المدني الجزائري. ج 4 عقد البيع. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. طبعة 2001. ص 246 .
(2) يكتفي البعض بأن يطول المرض مدة كافية ليتولد الشعور لدى المريض بأنه لم يعد معرضا لخطر الموت العاجل سواء طال المرض لأكثر من سنة أو أقل .
(3) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 23/11/1993 ملف رقم 96675. الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 302 .
و لأن المناط في وضع الأحكام المتعلقة بالمريض مرض الموت هو خوفه من الهلاك فقد ألحق بالمريض كل الأصحاء الذين يكونون في أحوال تجعلهم يترقبون الموت لشعورهم بدنو الأجل، حيث تأخذ تصرفاتهم حكم تصرفات المريض مرض الموت كالمقاتل إذا التحمت الطائفتان و لم تستبن الطائفة القاهرة و الطائفة المقهورة (1)، و المحكوم عليه بإعدام الذي ينتظر التنفيذ، ومن ركب البحر وكان على متن سفينة أشرفت على الغرق، والمحبوس إذا عرف الآسر بقتل المحبوسين، ومن داهمه حريق لا سبيل للنجاة منه، ومن عقد عزمه على الإنتحار ...إلخ .
و بالرجوع إلى قرارات المحكمة العليا المتعلقة بالتصرفات في مرض الموت فإن العديد منها يشير إلى وقوع التصرف في مرض الموت دون إعطاء تعريف دقيق له (2) باستثناء بعض القرارات، كالقرار الصادر بتاريخ 09/07/1984 حيث قضت أنه : "من المقرر فقها و قضاء أن مرض الموت الذي يبطل التصرف هو المرض الأخير إذا كان خطيرا و يجر إلى الموت و به يفقد المتصرف وعيه و تميزه" (3) .
غير أنه يؤخذ على هذا التعريف أنه يخرج عن الإطار الذي رسمه فقهاء الشريعة الإسلامية لمرض الموت من حيث كونه لا يؤثر على أهلية المريض و تمييزه .

الفرع الثاني : تعلق حق الورثة بأموال المريض مرض الموت
إضافة إلى الأسس العامة لتقييد تصرفات المورث و اعتبارها وصية في بعض الحالات و التي سبق ذكرها، فإن علة تقييد التصرفات الصادرة في مرض الموت ترجع إلى منع الإضرار بالورثة لتعلق حقهم بأموال المريض من وقت المرض ، لكي يحصل الورثة على حقهم في الثلثين من التركة؛ فمن المقرر في الفقه الإسلامي أن حق الورثة يتعلق بأموال مورثهم لا من وقت موته فحسب، بل من وقت المرض الذي يموت فيه باعتبار أن حقهم في التركة يثبت بالموت، و لما كان المرض الذي أفضى إلى الموت هو سببه العادي ثبت حق الورثة من وقت حدوث ذلك المرض لأن الحقوق و الأمور تضاف إلى أسبابها، و بالتالي يثبت حق الخلافة لهم من نزول المرض به، فالمريض بحلول مرض الموت به يكون في حالة نفسية تجعله يعتقد دنو أجله، وهو بذلك إذا تبرع بماله أو تصرف فيه فإنما يقصد أن ينقل هذا المال إلى غيره بعد موته لا في المدة المحددة القصيرة التي تقدر له الحياة فيها، و لا يستطيع الشخص أن ينقل ماله بعد موته بتصرف إرادي إلا إذا كان عن طريق الوصية .
و مهما يكن وجه تعلق حق الورثة في الخلافة حال مرض الموت فإنه من المتفق عليه أن ذلك الحق ثابت، و لكن يثير الفقهاء اختلافا في تكييف هذا الحق، حيث يذهب فريق إلى اعتباره حق ملكية كامل يثبت بمجرد المرض، و يذهب آخرون إلى اعتبار أن حق الملكية يكون لهم عند الموت و لكن يستند إلى وقت بدء المرض ، كما يذهب البعض الآخر إلى اعتبار أن حق الورثة عند المرض ليس بحق ملكية بل هو حق خلافة أو إرث .
-------------------
(1) محمد أبو زهرة. الملكية و نظرية العقد في الشريعة الإسلامية. دار الفكر العربي. مصر. ص 316 .
(2) من بين هذه القرارات القرار الصادر بتاريخ 23/11/1993 ملف رقم 96675. و القرار الصادر بتاريخ 16/06/1998 ملف رقم 197335.و القرار الصادر بتاريخ 16/03/1999. ملف رقم 219901 المنشورين بمجلة الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001 ص 302 ، 281 ، 287 . (3) قرار المحكمة العليا. غرفة الأحوال الشخصية الصادر بتاريخ 09/07/1984 ملف رقم 33719. المجلة القضائية. العدد الثالث 1989 .
و مهما يكن فإنه حق يقيد من تصرفات المريض، إلا أنه يجب التفرقة هنا بين الحقوق التي تتعلق بمال المريض؛ فهي مرتبة في الإخراج كما يلي (1):
- حق المريض نفسه الذي يتعلق بقضاء مصالحه، وحاجاته الأصلية كالنفقة على نفسه و على من تلزمه نفقته و أجرة الطبيب، و ثمن الدواء، ونحو ذلك ، فإن هذه التصرفات جائزة و تخرج عن دائرة المنع .
- حق الدائن إذا كان على المريض دين، وهو يتعلق بكل المال إن كان مستغرقا له، أو ما يساويه من أموال إذا كان غير مستغرق .
- حق الورثة و يتعلق بثلثي مال المريض الخالي من الديون .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المريض مرض الموت أثناء مرضه ليس لأحد عليه من سلطان، و إنما ينظر في تصرفاته بعد وفاته، فإن كانت تمس بحق الورثة كان لهم الإعتراض عليها دون أن يكون ذلك في حياته، لأن المرض لا يعد مرض موت إلا إذا اتصلت به الوفاة فعلا، و لا يمكنهم الإعتراض قبل تحقق السبب المنشىء للحق .
و اعتمادا على ما سبق فإن تقييد تصرفات المريض مرض الموت لا يرجع إلى نقص أو انعدام أهليته، و لا إلى عيب في إرادته؛ فالمريض مرض الموت لا يفقد أهليته و لا تنقص هذه الأهلية فما دام حيا محتفظا بقواه العقلية فإن أهليته كاملة إلى آخر لحظة من حياته ، باعتبار أن مرض الموت ليس من أسباب نقص الأهلية أو فقدها، و ليس عيبا يشوب الإرادة طبقا لأحكام القانون المدني، أما إذا حدث أن أفقد المرض تمييز المريض فإن تصرفاته هنا تخضع للأحكام العامة في القانون المدني و بالتالي تكون باطلة .
وما يلاحظ هنا أن المشرع اعتبر في الفقرة الثانية من المادة 408 من القانون المدني أن البيـع في مرض الموت إذا تم للغير فإنه يكون قابلا للإبطال ، و بالرجوع إلى النسخة الفرنسية لهـا نجدها تعتبر البيع في هذه الحالة بدون تراض"sans consentement"، وهذا ما يستشف منه أخذ المادة بأن مرض الموت عارض من عوارض الأهلية أو عيب في الإرادة،كما أن المحكمة العليا اعتمدت نفس الموقف الغريب بموجب القرار الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية بتاريخ 09/07/1984 السابق الذكر،و الذي خالف المبادىء و القواعد الفقهية المستمدة من الشريعة الإسلامية حينما اعتبر أن مرض الموت يفقد المتصرف وعيه وتمييزه،وهذا لا يستقيم بما أن أهلية المريض مثل أهلية الصحيح تماما للأسباب التالية :
- إذا اعتبرنا المريض مرض الموت ناقص الأهلية فإن كل تصرف ضار ضررا محضا صادر عنه يكون باطلا مطلقا، فإذا سلمنا بذلك تكون تصرفاته التبرعية باطلة بطلانا مطلقا، وهذا ما لم يقل به أحد ، كذلك الأمر إذا اعتبرناه عديم التمييز فإن كل تصرفاته تكون باطلة بطلانا مطلقا .
- إذا اعتبرنا تصرفه باطلا بطلانا مطلقا فإنه لا يحق للورثة أن يجيزوا تصرفا تبرعيا لمورثهم على أساس أن الإجازة لا تلحق العقد الباطل بطلانا مطلقا، بينما للورثة حق إجازة الوصية التي تتجاوز الحدود المقررة قانونا .
- إن نقص أو فقد الأهلية يرجع قانونا إلى عارض من عوارض الأهلية أو عيب في الإرادة و لم يقل أحد أن المريض مرض الموت به عيب من هذه العيوب أو عارض على الأهلية .
-------------------
(1) أحمد فراج حسين. الملكية و نظرية العقد في الشريعة الإسلامية. الدار الجامعية. لبنان. ص 236 .
و بالرغم من هذه الإنتقادات فإنه يستشف من قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 27/10/1992 أن هذه الأخيرة بقيت متمسكة بموقفها، بل أكثر من ذلك إعتبرت المريض مرض الموت غير سليم العقل حيث جاء فيه : "تعتبر الهبة في مرض الموت و الحالات المخيفة وصية لأنه يشترط في الواهب أن يكون سليم العقل وقت إبرام أو تحرير الهبة . و أن إبطال الهبة المحررة بواسطة الوكيل في مرض الموت هو تطبيق سليم للقانون لعدم تحقيق ما تقتضيه أحكام المادتين 203 و 204 من قانون الأسرة "(1).
























-------------------
(1) قرار المحكمة العليا غرفة الأحوال الشخصية و المواريث الصادر بتاريخ 21/02/2001. ملف رقم 256869. المجلة القضائية. العدد الثاني 2002. ص 428 .
الفصـل الثـاني
التصرفـات السـاترة للوصيـة و أحكامـها



قد يلجأ الشخص خلال مرض موته إلى إضفاء صفة المعاوضة على تصرفه الذي قصد به التبرع، و أكثر من ذلك فقد يعمد عند تمتعه بكامل صحته إلى خلع ثوب تصرف منجز حال الحياة على تصرف في حقيقته مضاف إلى ما بعد الموت بأن يتصرف لأحد ورثته أو لغيره و يستثني بطريقة ما الإنتفاع بالشيء وحيازته مدى حياته، وكل هذه التصرفات إنما تكون تحايلا على أحكام القانون المقيدة لحرية الإيصاء كما سبق الذكر.

لذا و اعتمادا على الأسس السابق بيانها فإن المشرع أقام قرائن قانونية حماية لمصلحة عامة بهدف صد التحايل على القانون من جهة، وحماية لحقوق الورثة من جهة أخرى و هذا سواء تعلق الأمر بالتصرفات المبرمة في مرض الموت أو بالتصرف لوارث مع الإحتفاظ بحيازة العين و الإنتفاع بها مدى الحياة .

و على نحو ما تقدم نعالج الفصل الثاني على مبحثين، نخصص الأول لدراسة التصرفات في مرض الموت، بتوضيح الحكم العام لها الوارد بالمادة 776 من القانون المدني إضافة إلى تحديد قواعد الإثبات المتعلقة بها، ثم دراسة أحكام بعض التصرفات في مرض الموت التي عالجها المشرع بنصوص خاصة .
كما نخصص المبحث الثاني لدراسة قرينة التصرف لوارث مع الإحتفاظ بالحيازة و الإنتفاع مدى الحياة الواردة بنص المادة 777 من القانون المدني، و ذلك بتوضيح شروط تطبيقها أولا ثم التعرف على أحكامها و قواعد الإثبات المتعلقة بها .








المبحـث الأول
تصرفـات المريض مـرض المـوت

لقد أورد القانـون المدني نصـا يقرر الحكم العام في تصرفـات المريض مرض المـوت أيا كان هذا التصـرف و يتمثل هذا النـص في المادة 776 منـه ، و باعتبار تجـرد الحق من قيمتـه إذا عجـز صاحبه عن إثباتـه أمام القضاء فإن هذه التصرفـات قد أحيطت بقواعـد محـددة في إثبـاتها سـواء بنص هذه المـادة أو غيـرها.
إلا أن المشرع لم يكتفي بذلك فخص بعض التصرفات المبرمة في مرض الموت بقواعد خاصة بها كالبيع في المادتين 408 و 409 من القانون المدني، أو الهبة في المادة 204 من قانون الأسرة .
و بالرغم من أن المشـرع لم يوضـح بصفة صريحـة أحكام بعض التصرفات الأخـرى التي تؤثـر على حقوق الورثة شأنها شأن البيع و الهبة إلا أنه يمكن استخلاص أحكـامها من خلال إلحاقـها بالحكم العام ، وكذا من خلال تحليل بعض النصوص القانونية و قرارات المحكمـة العلـيا المتعلقة بها فنتطـرق إلى أهمـها و هي الوقف ، و الإبراء ، و الإقرار .
بناء على ما سبق سنفصل في المطلب الأول الحكم العام للتصرف في مرض الموت بتوضيح شروطه و أحكامه وقواعد الإثبات المتعلقة به، كما نوضح في المطلب الثاني الأحكام الخاصة لبعض التصرفات الأخرى .

المطلب الأول : الحكم العـام للتصرف في مرض الموت

تنص المادة 776 من القانون المدني على ما يلي : "كل تصرف قانوني يصدر عن شخص في حال مرض الموت بقصد التبرع يعتبر تبرعا مضافا إلى ما بعد الموت، و تسري عليه أحكام الوصية أيا كانت التسمية التي تعطى إلى هذا التصرف .
و على ورثة المتصرف أن يثبتوا أن التصرف القانوني قد صدر عن مورثهم وهو في مرض الموت و لهم إثبات ذلك بجميع الطرق، و لا يحتج على الورثة بتاريخ العقد إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا .
إذا أثبت الورثة أن التصرف صدر عن مورثهم في مرض الموت إعتبر التصرف صادرا على سبيل التبرع ما لم يثبت من صدر له التصرف خلاف ذلك، كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه".
على هذا الأساس سنبين في الفرع الأول شروط أعمال المادة 776 من القانون المدني و النتيجة المترتبة عنها أي خضوع التصرف لحكم الوصية، و في الفرع الثاني نوضح قواعد الإثبات المتعلقة بها.


الفرع الأول : شروط إعمال المادة 776 من القانون المدني وحكمها
إن التصرف الصادر عن المورث في مرض الموت و يكون القصد منه التبرع يعتبره القانون وصية مستترة، و تسري عليه أحكام الوصية حماية للورثة (1)، وهذا بتوفر الشرطين التاليين :
أولا : أن يتم التصرف في مرض الموت
فيشترط أن يبرم التصرف خلال مرض الموت والذي سبق تحديد مفهومه، و يتضح من خلال مصطلح "كل تصرف قانوني " شمول حكم المادة لكل تصرف صادر في مرض الموت أيا كانت التسمية التي أعطيت له من تبرعات ومعاوضات؛ فهذا النص يتصف بالعمومية، وعليه تخرج من مفهوم هذه المادة التبرعات والهبات المنجزة التي يبرمها الشخص حال حياته وصحته، فلا معقب للورثة علة المتصرف لانتفاء على الإضرار .
و حتى يستفيد الورثة من أحكام هذه المادة، فإن عليهم أن يثبتوا أن التصرف وقع في مرض الموت، فعبء الإثبات يقع عليهم و ذلك طبقا للفقرة الثانية من المادة 776 و التي تضيف أن لهم إثبات ذلك بكل الطرق أي بما فيها البينة و القرائن باعتبار أنهم بصدد إثبات واقعة مادية .
حيث يجوز لهم إثبات مرض الموت بالشهادات الطبية و تقارير الخبراء و الأطباء و غيرها من القرائن المستخلصة من ظروف المرض ...إلخ، كما يجوز لهم إثبات صدور التصرف خلال المرض بكافة الطرق كالبينة مثلا و غيرها .
إضافة إلى ذلك فإن الوارث ينتقل إلى حكم الغير في هذا المجال وهذا ما نوضحه بالتفصيل عند الحديث عن قواعد الإثبات في الفرع الثاني .
ثانيا : أن يكون التصرف بقصد التبرع
من المحتمل أن يكون التصرف الصادر عن المورث في مرض الموت معاوضة لا تبرعا، كأن يثبت بأن المورث قد قبض مقابلا لما تصرف، و أكثر ما يكون ذلك في عقد البيع - فلا تطبق المادة 776 من القانون المدني بل تسري أحكام البيع في مرض الموت - لكن من النادر أن يكون التصرف معاوضة حيث يكون في غالب الأحيان بنية التبرع، و عليه إذا انطوى التصرف صراحة على معنى التبرع فلا صعوبة في الأمر و تسري عليه أحكام الوصية طبقا للمادة 776 من القانون المدني، ومنها الهبة، و الإبراء و غيرها من التصرفات التبرعية، لكن يطرح الإشكال في التصرفات المستترة أي التي تكون في ظاهرها معاوضة تخفي تصرفا تبرعيا وعليه إذا ادعى الورثة أن التصرف الصادر عن مورثهم تبرع فإن عبء إثبات ذلك لا يقع عليهم - كما هو ثابت في إثبات وقوع التصرف في مرض الموت - و إنما متى ثبت صدور التصرف في مرض الموت كان ذلك قرينة على نية التبرع .
خضوع التصرف لحكم الوصية
متى ثبت توافر الشرطين الواردين بالمادة 776 من القانون المدني وهما صدور التصرف في مرض الموت وكون التصرف تبرعيا سرت على هذا التصرف أحكام الوصية حيث تنص هذه المادة على أن : "كل تصرف قانوني يصدر عن شخص في حال مرض الموت بقصد التبرع يعتبر مضافا إلى ما بعد الموت و تسري عليه أحكام الوصية ..."
و عليه فإن الوارث ينتقل من صفة الخلف العام إلى صفة الغير من حيث نفاذ التصرف عليه، لا من الغير من حيث ثبوت التاريخ الذي يبقى حجة عليه حتى يثبت عدم صحته .
و بالتالي يستفيد الورثة بما هو مقرر لهم من تقيد حرية الإيصاء و التي سبق بيانها في المبحث الأول من الفصل الأول و التي نجملها في أنه لو تم التصرف لوارث فإنه لا يجوز و لا ينفذ، و يبقى متوقفا على إجازة الورثة من غير التقيد بالنصيب المتصرف فيه وهذا طبقا للمادة 189 من قانون الأسرة : "لا وصية لوارث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي"، أما إذا كان التصرف لغير وارث فإنه يكون صحيحا ونافذا في ثلث التركة، وما زاد عنه يتوقف على إجازة الورثة تطبيقا للمادة 185 من قانون الأسرة .
و بالتالي فالقاضي يحكم باعتبار التصرف وصية و بتقييده بأحكام الوصية تبعا لكل نزاع على حدة، و قد جاء في قرار للمحكمة العليا صادر بتاريخ 24/04/2002 : "أن القضاء بإبطال هبة في مرض الموت دون مراعاة المبدأ القانوني الذي يقرر بأن الهبة في مرض الموت تعتبر وصية و يستفيد منها الموهوب له في حدود ما يسمح بذلك موضوع الوصية يعد مخالفة للقانون " (1)، و يستخلص من ذلك أن على القاضي أن يبين في حكمه أن التصرف قد ألحق بحكم الوصية و يطبق عليه أحكامها .
وما يلاحظ أن أغلب قرارات المحكمة العليا المتعلقة بالتصرفات في مرض الموت تقضي ببطلان التصرف في مرض الموت على الرغم من أن أحكام المادة 776 من القانون المدني و المادة 204 من قانون الأسرة لا تنص على بطلانه بل بإلحاقه بالوصية فقط، و البطلان لا يكون إلا للأسباب التي يقررها القانون كالعيب في الإرادة أو نقص أو انعدام الأهلية، باستثناء ما تنص عليه المادة 408 من القانون المدني التي تثير مشاكل عديدة سيأتي بيانها بالتفصيل .

الفرع الثاني : قواعد الإثبات المتعلقة بالتصرفات في مرض الموت
من الناحية العملية لا وجود للحق مجردا من دليل إثباته عند المنازعة فيه، فهو و العدم سواء (1)، و يجب أن يثبت للقاضي عناصر و شروط الحق حتى يحكم به، لذا وجب لإعمال أحكام المادة 776 من القانون المدني و استخلاص القرينة الواردة بها أن يثبت للقاضي وجود مرض موت، إضافة إلى توافر الشرطين السالفي الذكر، و عليه يجب تحديد طرق الإثبات التي يجوز الإعتماد عليها، إضافة إلى تحديد الطرف الذي يقع عليه عبء الإثبات في كل ذلك .
أولا : إثبـات مرض المـوت
مرض الموت حالة مرضية يغلب فيها الهلاك على الشخص و تتصل به الموت فعلا من شروطه قعود المريض عن قضاء مصالحه و غلبة الموت فيه و انتهائه بالموت فعلا .
و كل هذه الشروط موضوعية حيث تقيم في نفس المريض حالة نفسية بأنه مشرف على الموت، فيجب الوقوف عند الضوابط الموضوعية و الاستدلال بها على الأمور الذاتية؛ فالقاضي يستخلص من هذه العلامات المادية أن المريض كان يتصرف تحت تأثير الحالة النفسية (2) و يعتبر من خلالها في حكم المريض مرض الموت .
و تبعا لذلك فإن مرض الموت واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبـات بما في ذلك البينة و القرائن حـيث -------------------
(1) عبد الرحمن ملزي. المرجع السابق.
(2) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد الرابع. المرجع السابق. ص 314.
يستخلصها قاضي الموضوع من ظروف الدعوى وملابساتها، و قد أكدت المحكمة العليا ذلك في قرارها الصادر بتاريخ 16/06/1998 بقولها : "...إضافة إلى أن مرض الواهب هو حالة مادية ظاهرة لا يمكن إخفاؤها و يجوز إثباتها بشهادة الشهود زيادة على الشهادات الطبية المحتج بها..." (1)
و القاضي عند تقديره لمرض الموت لا يخضع لرقابة المحكمة العليا، و إنما تنصب رقابة المحكمة العليا على التسبيب الذي جاء به الحكم في ذلك، و العناصر التي اعتمد عليها لاعتبار المرض مرض موت، فتتأكد من توصل القاضي لذلـك اعتمادا على أسباب سائغة و قانونية، كما تتأكد من توافر شروط مرض الموت التي سبق بيانها (2).
ومن بين أهم أدلة إثبات مرض الموت الشهادات الطبية الدالة على حالة المريض في أواخر أيامه بعد اللجوء إلى أهل الخبرة، حيث أشارت إليها المحكمة العليا في العديد من قراراتها كالقرار الصادر بتاريخ 16/03/1999 :"حيث أن الطاعن قد أثبت أن الهبة موضوع النزاع قد وقعت في مرض الموت سواء من ملاحظة الموثق نفسه في عقد الهبة أو من التقرير الطبي المؤرخ في ... " (3) و كذا القرار الصادر بتاريخ 16/06/1998 (4) ، إضافة إلى التحقيق الذي تجريه المحكمة بسماع الشهود مثلا حول الحالة الصحية للمتوفي خلال إبرامه التصرف...إلخ .
و يقع عبء إثبات مرض الموت على الورثة الذين يطعنون في تصرف مورثهم باعتبار أن ذلك مقرر لمصلحتهم .
ثانيا : إثبات شروط المـادة 776 من القانون المدني
- فبالنسبة لإثبات الشرط الأول المتمثل في ضرورة صدور التصرف في مرض الموت فإن عبء إثبات ذلك يقع على الورثة، ولهم ذلك بجميع الطرق بما فيها البينة و القرائن، لأنهم يثبتون واقعة مادية .
و بناء على مبدأ نسبية آثار العقد فإن هذا الأخير تنصرف إلى المتعاقدين و خلفهما العام تأسيسا على أحكام المادة 108 من القانون المدني التي تنص : "ينصرف العقد إلى المتعاقدين و الخلف العام، ما لم يتبين من طبيعة التعامل، أومن نص القانون، أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام كل ذلك مع مراعاة القواعد المتعلقة بالميراث"، و القاعدة العامة أن يعتبر الورثة خلفا عاما للمورث، لكن يقصد بعبارة "مع مراعاة القواعد المتعلقة بالميراث " عدم سريان تصرفات المورث إذا أبرمها في مرض الموت في حق الورثة، و اعتبارها وصية؛ حيث يعتبرون في هذه الحالة من الغير في مواجهة هذه التصرفات، كما سبق توضيحه .
و لكن الورثة لا يعتبرون من الغير بالنسبة لمسألة ثبوت تاريخ المحرر العرفي الذي يصدر عن مورثهم بمفهوم المادة 328 فقرة 1 من القانون المدني التي تنص على أنه : "لا يكون العقد العرفي حجة على الغير في تاريخه إلا منذ أن يكون له تاريخ ثابت" باعتبار أن القاعدة العامة هي أن الورثة يعتبرون خلفا عاما لمورثهم، ولذا يسري عليهم ما كان يسري في حقه، ومن ثم يكون تاريخ الورقة العرفية المثبتة للتصرف الصادر عنه حجة عليهم كما كان حجة على مورثهم .
-------------------
(1) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 16/06/1998. ملف رقم 197335. الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001 .ص 281 .
(2) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 14/08/1990 ملف رقم 64311. غير منشور:"حيث أن تقدير حالة إبرام بيع في مرض الموت يدخل في إطار سلطة قضاة الموضوع التقديرية ماداموا أسسوا حكمهم على أسباب سائغة". عمر بن سعيد. الإجتهاد القضائي وفقا لأحكام القانون المدني. دار الهدى . الجزائر. ص 257 .
(3) (4) قرار للمحكمة العليا الصادر بتاريخ 16/03/1999. ملف رقم 219901. و القرار الصادر بتاريخ 16/06/1998. ملف رقم 197335. الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001 . ص 287 ، 281 .
و يكتسي تاريخ التصرف القانوني الصادر عن المورث المريض أهمية بالغة بالنسبة لتحديد آثار هذا التصرف على الورثة و الطعن في صحة هذا التاريخ المدون على السند المثبت للتصرف المطعون فيه بالنظر إلى بداية المرض و الوفـاة ، و لعل من الثابت عمليا أن السلف المورث لتفادي أحكام القانون الآمرة و التقييدات الواردة على أحكام تصرفات المريض مرض الموت، غالبا ما يعمد إلى تقديم تاريخ تصرفه الماس بحق السلف، و يجعله سابقا على المرض حتى ينصرف أثره إلى الخلف و يحتج عليهم بالمحرر الذي تضمنه .
و عليه إذا ادعى الورثة بأن المحرر العرفي الذي يحمل تاريخا معينا لا يحمل التاريخ الحقيقي للأسباب السابقة الذكر، فيجب عليهم هنا أن يثبتوا أن التاريخ قد تم تقديمه عمدا، و أن التاريخ الحقيقي لصدور المحرر يقع في وقت كان فيه المورث مريضا مرض موت فقدم التاريخ ليخفي هذه الحقيقة، وهم في ذلك غير مقيدين بطرق إثبات معينة لأن تقديم التاريخ على هذا النحو غش، و الغش يجوز إثباته بكافة الطرق (1) باعتباره واقعة مادية .
و استنادا إلى ما سبق فإن الفقرة الثانية للمادة 776 من القانون المدني قد جانبت الصواب بنصها على أنه:" ولا يحتج على الورثة بتاريخ العقد إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا" باعتبار أن هذا التاريخ حتى و لو يكن ثابتا يحتج به على الورثة، و إنما لهم إثبات عكسه كما سبق الذكر .
و حسب الأستاذ عبد الرزاق السنهوري فإنه قد يستخلص من الفقرة الثانية من المادة 776 أن المشرع قصد بها أن التاريخ العرفي لا يحتج به على الوارث إلى الحد الذي يمنعه من إثبات العكس، بل يجوز له مادام التاريخ غير ثابت أن يقيم الدليل على عدم صحته، و لكن هذا بديهي فلا ضرورة لإيراد حكم خاص به، فكل شخص يكون التاريخ العرفي حجة عليه - و لو كان المتعاقد نفسه - يستطيع إثبات عدم صحة هذا التاريخ (2).
و لا يثور الإشكال المتعلق بتاريخ التصرف على الإطلاق إذا ورد العقد في محرر رسمي باعتبار أن ما ورد فيه حجة على الكافة حتى يثبت تزويره طبقا للمادة 324 مكرر 5 من القانون المدني، وكذلك الأمر إذا ورد العقـد في محرر عرفـي و أصبح له تاريخ ثابت بإحدى الحالات المنصوص عليها في المادة 328 من نفس القانون بحيث يكون حجة حتى على الغير .
- أما بالنسبة لإثبات الشرط الثاني المتمثل في أن يكون التصرف في مرض الموت بقصد التبرع فإن عبء إثبات أن التصرف الصادر من المورث قد قصد به التبرع لا يقع على الورثة - عكس ما هو ثابت أن الورثة يقع عليهم عبء إثبات الشرط الأول - فالمشرع هنا وقوفا في وجه التحايل خفف العبء بأن أقام قرينة قانونية لصالح الورثة (3) جاءت بالفقرة الثالثة من المادة 775 من القانون المدني ونقل بها محل الإثبات إلى واقعة أخرى يسهل عليهم إثباتها بحيث أنهم إذا أثبتوا صدور التصرف في مرض الموت اعتبر صادرا على سبيل التبرع و اعتبر الورثة من الغير فلا يسري في مواجهتهم تصرف مورثهم إلا في حدود الثلث،وإذا لم يقوموا بإجازة ما زاد عنه كان لهم تتبع العين تحت يد المتصرف إليه لاستيفاء
-------------------
(1) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع.ص 223.
(2) عبد الرزاق السنهوري. نفس المرجع. ص 224.
(3) "القرينة القانونية هي قاعدة يعفي بها المشرع المدعي في ظروف معينة من القيام باثبات دعواه كلا أو بعضا". يحيى بكوش. أدلة الإثبات في القانون المدني الجزائري و الفقه الإسلامي. دراسة نظرية و تطبيقية مقارنة. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. الطبعة الثانية. ص 357.
نصيبهم المتمثل في الثلثين .
وعلة هذه القرينة هي أن الإنسان لا يتصرف عادة في مرض موته إلا على سبيل التبرع، ويندر أن يكون تصرفه - وهو في حالة اليأس من الحياة والقنوط منها - بقصد المعاوضة .
ولكن هذه القرينة ليست قاطعة (1)، وإنما هي قرينة قانونية بسيطة قابلة لإثبات العكس، فيجوز للمتصرف إليه أن يدحضها بأن يثبت أن التصرف ليس تبرعا، وإنما كان على سبيل المعاوضة؛ فإذا أثبت ذلك إنتفت القرينة وسرت على التصرف أحكام البيع في مرض الموت ( المواد 408، 409 من القانون المدني ) .
ويجب التوضيح أخيرا أن نيـة التبرع مسألة خاضعة لسلطـة وتقدير قاضي الموضـوع .

المطلب الثاني : الأحكام الخاصة لبعض التصرفات في مرض الموت

إضافة إلى الحكم العام للتصرفات في مرض الموت خص المشرع بعض التصرفات بنصوص خاصة أورد فيها أحكاما خاصة كالبيع في مرض الموت، أو بنصوص جاءت تطبيقا للقـاعدة العامة وهذا في بعض التصرفات التبرعيـة. و عليه سنتولى دراستها على التوالي فيما يلي :

الفرع الأول : البيـع في مرض المـوت
أورد المشرع أحكام البيع في مرض الموت بالمواد 408 و 409 من القانون المدني، حيث تنص المادة 408 على مايلي : "إذا باع المريض مرض الموت لوارث فإن البيع لا يكون ناجزا إلا إذا اقره باقي الورثة.
أما إذا تم البيع للغير في نفس الظروف فإنه يعتبر غير مصادق عليه و من أجل ذلك يكون قابلا للإبطال " .
فهذا الحكم ينطبق على البيع فقط، وتطبيقا للقواعد السالفة الذكر فإن تطبيق هذا الحكم يقتضي أن يثبت أولا من صدر له التصرف عكس القرينة التي نصت عليها المادة 776/3 من القانون المدني (2) و التي سبق بيانها بأن يثبت أن التصرف رغم صدوره في مرض الموت كان مقابل و ليس تبرعا (3) غير أن المشرع الجزائري على خلاف بعض التشريعات الأخرى - كالمشرع المصري - لم يبين هل أن البيع تم دون ثمن أصلا أو بأقل من قيمة المبيع، أو إذا كان فيه محاباة تجاوز ثلث التركة .
فبالرجوع إلى القواعد العامة، إذا تم البيع دون ثمن أصلا أو تم مقابل ثمن بخس يصل إلى حد التفاهة لم يأخذ التصرف حكم البيـع لمخالفته المادة 351 من القانون المدني حيث يعتبر ركن الثمن منعدمـا، و بالتالي يبطـل عقـد
-------------------
(1) المادة 776/3:"إذا أثبت الورثة أن التصرف صدر عن مورثهم في مرض الموت اعتبر التصرف صادرا على سبيل التبرع مالم يثبت من صدر له التصرف خلاف طلك.."
(2) خليل أحمد حسن قدادة. المرجع السابق. ص 248 .
(3) جل التشريعات العربية تعتبر أنه إذا أثبت المشتري أنه دفع للبائع ثمنا لا يقل عن قيمة المبيع اعتبر هذا البيع صحيحا منتجا لآثاره و نافذا في حق الورثة دون حاجة لإجازتهم ، عكس المشرع الجزائري الذي يخضعه لأحكام المادة 408 من القانون المدني .
البيع، و من ثم تسري على التصرف أحكام المادة 776 من القانون المدني لاعتباره تصرفا تبرعيا.
و فيما عدا هذه الحالة إذا كان البيع بأقل من القيمة الحقيقية للمبيع، فإن بعض التشريعات كالقانون المصري إعتبرت البيع ساريا في حق الورثة إذا كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن لا تجاوز ثلث التركة (بما فيها البيع ذاته)، أما إذا جاوزته فإن البيع فيما يجاوز الثلث لا يسري في حق الورثة إلا إذا أقروه أو رد المشتري للتركة ما بقي بتكملة الثلثين (1).
لكن القانون الجزائري لم يتضمن مثل هذا الحكم، و لم يفرق بين التصرفات اعتمـادا على قيمة المبيع الحقيقيـة و قيمة البيع، بل أخضع التصرف هنا للمادة 408 من القانون المدني التي سيأتي بيان أحكامها فيما يلي، و ذلك باعتبار أن التصرف كان بمقابل أي أنه بيع .
و قد خص المشرع البيع في مرض الموت بأحكام خاصة لافتراض شبهة التحايل في الثمن، لا سيما إذا ما تم لوارث ، فخصه بأحكام تختلف عما ورد بقرينة المادة 776 من القانون المدني، و فرق بين البيع لوارث و البيع لغير وارث، كما أنه أورد بالمادة 409 منه إستثناء على الحالتين السابقتين يتعلق بحماية الغير حسن النية .
أولا : البيع في مرض الموت لوارث
يستخلص من الفقرة الأولى للمادة 408 من القانون المدني أن قيام الشخص ببيع شيء من أمواله لأحد ورثته في مرض الموت لا ينفذ بحق باقي الورثة إلا إذا أقروه (2).
و مصطلح "لا يكون ناجزا n’est pas valable" الوارد بالمادة يدل على أن البيع يكون صحيحا و ليس باطلا، لكن موقوف النفاذ على إقرار الورثة له (3) فإن أقروه أصبح نافذا في حقهم من وقت إبرامه، و إن رفضوه لم ينفذ في حقهـم و بقي الشيء المبيع كعنصر من عناصر التركة، و على الورثـة أن يردوا إلى المشتري المبلـغ الذي يكون قد دفعـه كثمن للمبيع.
و إذا أقر بعض الورثة البيع و لم يقره البعض الآخر نفذ في حق من أقره بنسبة حصصهم في الميراث و لم ينفذ في حق البقية .
و ما يلاحظ هنا أن المشرع طبق على البيع لوارث في مرض الموت أحكام الوصية، بحيث جعل نفاذ التصرف متوقفا على قبول باقي الورثة أي أنه ألحق البيع بأحكام الوصية بطريقة غير مباشرة .
و يقصد بالورثة من تثبت لهم الصفة وقت وفاة المورث المريض و لو لم يكونوا ورثة وقت البيع، أما من كان وارثا وقت البيع و أصبح غير وارث وقت موت المورث فليس له حق إقرار التصرف من عدمه، و بذلك فإن الوارث الذي لم تكن له هذه الصفة وقت انعقاد البيع، و تحققت له وقت الوفاة له حق الإعتراض و عدم قبول نفاذ البيع في حدود حصته .
و إقرار الورثة أو رفضهم للتصرف لا يكون معتدا به إلا إذا صدر بعد موت المورث، و لا يعتد بالإقرار السابق
على الموت - كأن يدون في نفس المحرر المثبت لتصرف المورث - لأن صفة الوارث و حقه في الميراث لا تثبت إلا بعد
-------------------
(1) أنظر المادة 477 من القانون المدني المصري. عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 224 .
(2) قرار المحكمة العليا الغرفة المدنية الصادر بتاريخ 09/07/1990. ملف رقم 62156. المجلة القضائية. العدد الرابع 1991. ص 68 .
(3) محمد يوسف الزعبي. شرح عقد البيع في القانون المدني. دار الثقافة. الأردن. ص 507 .
موت المورث .و يشترط لصحة الإقرار ما يشترط في أي تصرف تبرعي آخر، فيجب أن يكون الوارث المقر بالغا، عاقلا، غير محجور عليه، و ذلك تحت طائلة بطلان إقراره بطلانا مطلقا .
كما يجب أن يكون الإقرار صريحا،فلا يكفي السكوت أو أي تصرف آخر دليلا على إقرار البيع الصادر في مرض الموت.
تجدر الإشارة إلى أن المشرع أصاب عندما استعمل في الفقرة الأولى مصطلح"إقرار" و ليس "إجازة"، لأن الإجازة تلحق التصرف القابل للإبطال و تصدر من أحد أطراف التصرف، و لا تلحقه إذا كان باطلا بطلانا مطلقا .
و قد أورد الدكتور علي علي سليمان جملة من الإنتقادات للفقرة الأولى من المادة 408 من القانون المدني (1)، منها أن النسخة الفرنسية جاءت بشرط لم يرد في النص العربي، فاشترطت أن يتم البيع في حالة اشتداد حدة المرض "dans la période aigue" (2)، في حين أن فقهاء الشريعة الإسلامية التي هي مصدر حكم تصرفات المريض مرض الموت لم يشترطوا هذا الشرط، بل اختلفوا حول المدة التي يعتبر التصرف خلالها صادرا في مرض الموت فقط .
و من بين هذه الإنتقادات التفرقة بين البيع لوارث وجعله معلقا على إقرار بقية الورثة، و البيع لأجنبي و جعله قابلا للإبطال (3) .
ثانيـا : البيع في مرض الموت لغير وارث
إعتبرت الفقرة الثانيـة للمادة 408 من القانـون المدني البيع لغيـر وارث في مرض الموت غير مصـادق عليه، و من أجل ذلك يكون قابلا للإبطال . وما يلاحـظ على هذا النص أنه يتميز باللبـس و الغموض ، و من أسباب ذلك اختلاف النص العربي عن النسخـة الفرنسية في أساس الجزاء ؛ فالنص العـربي يعتبر التصرف غير مصـادق عليه و من أجل ذلك يكـون قابـلا للإبطال، بينمـا النسخة الفرنسية تنص : "يفترض أن البيـع تم بدون رضـاء صحيح…est présumée avoir été faite sans consentement valable... " فطبقا للنص العربي يكون أساس القابلية للإبطال هو أن البيع غير مصادق عليه، وهذا مصطلح غريب على أحكام القانون المدني (4) ، إضافة إلى أن السؤال المطروح هو ممن تصدر المصادقة وما المقصود بها ؟ أما النص الفرنسي فإنه يعتبر أن الأساس هو عيب شاب الرضا، بالرغم من أن الثابت قانونا أن الإبطال يكون إما لقصر أو لغلط، إكراه ، تدليس أو استغلال، وهو ما لا يتوافر عند المريض مرض الموت، حيث يتفق فقهاء الشريعة الإسلامية على أن تصرفات المريض غير مشوبة بعيب في رضاه،و إنما العلة هي مساسها بحقوق الورثة التي تعلقت بثلثي التركة .
و من بين الإنتقادات الموجهة للفقرة الثانية للمادة 408 من القانون المدني أنها تعتبر التصرف لغير وارث قابلا للإبطال ، و هذا ما يتعارض مع نص المادة 185 من قانون الأسرة التي تنص : "تكون الوصية في حدود ثلث التركة، وما زاد على الثلث توقف على إجازة الورثة" و التي جاءت وفقا لمبادىء الشريعة الإسلامية السابق الإشارة إليها في الفصل الأول ، حيـث كان من الأجـدر أن يعـتبر المشرع البيـع لأجنبي وصية أيضا ، و يعلـق نفاذها على إقرار الورثـة
-------------------
(1) علي علي سليمان. ضرورة إعادة النظر في القانون المدني الجزائري. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. ص 128 .
(2) voir l’article 408/1 du code civile : « la vente consentie par un malade, dans la période aigue de la maladie qui a entraîné sa mort, à un de ses héritiers n’est pas valable que si elle est ratifiée par les autres héritiers . »
(3) عن الدكتور علي علي سليمان. نقلا عن محمد زهدور. المرجع السابق. ص 134 ، 135.
(4) علي علي سليمان. نفس المرجع. ص 129.
فيـما يجـاوز الثلث (1)، إضافة إلى ذلك إذا اعتبرنا أن البيع هنا قابل للإبطال، فلمن يكون حق طلب الإبطال ؟
بالرجوع إلى الأحكام العامة للقانون المدني فإن طلب الإبطال يكون لصالح من شاب رضاءه عيب من عيوب الرضا، فإذا سلمنا بأن رضا المريض مرض الموت مشوب بعيب من العيوب حسب الفقرة الثانية فيكون له وحده الحق في طلب الإبطال، وهنا فإن المريض قد مات، و بما أن الورثة يعتبرون من الغير بالنسبة لتصرفات مورثهم المريض مرض الموت و لا تنفذ في حقهم، فإن من غير الممكن القول بأن حق طلب الإبطال انتقل إليهم من المورث باعتبارهم خلفا عاما له؛ فهم لا يعتبرون خلفا عاما بالنسبة لتصرفاته في مرض الموت .
و فضلا عن ذلك فإن المذهب المالكي يعتبـر الوصية لازمة نهائيـا بعد مـوت الموصي، بحيث لا يجوز لأحد إبـطالها أو تعديلها، فقد جاء عن الإمام مالك - رضي الله عنه - أنه قال : "إذا مات الموصي لزمت الوصية، و ليس لغيره أن يغير شيئا من ذلك و لا يبطله ولا يبدله بغيره" (2).
كما أنه لو فرضنا أن رضاء المريض كان غير صحيح، فإن رضاءه يشوبه نفس العيب عند البيع لأحد الورثة، فلماذا فرق القانون بين التصرفين ؟
و استنادا إلى كل ما سبق فلا محل للكلام عن القابلية للإبطال، و إنما الأصح هو نفاذ التصـرف أو عدم نفاذه، لا سيما أن الإبطال لا يكون إلا بحكم من القضاء، في حين أن النفاذ أو عدم النفاذ ليس بحاجة إلى حكم قضائي إلا إذا حدث نزاع حول مقدار الثلث الجائز الإيصاء به .
يظهر في الأخير أن نص المادة 408/2 من القانون المدني قد خالف ما أجمع عليه فقهاء الشريعة الإسلامية من أن للشخص حرية التصرف بالوصية في ثلث أمواله دون أن يتوقف تصرفه في الثلث على إجازة الورثة (3).
ثالـثا : حماية الغير حسن النية في البيع في مرض الموت
قد يقوم المشتري من المريض مرض الموت ببيع العين المبيعة إلى أخر أو بترتيب حق عيني آخر عليها بمقابل لصالح الغير، كالرهن أو الإنتفاع أو الإرتفاق، فبإستعمال الورثة المتضررين من البيع في مرض الموت حقهم المبين في المادة 408 من القانون المدني يتهدد مركز الغير، و يمكن أن يلحق به بالغ الضرر، و من ثم يمس ذلك باستقرار التعامل، و عليه فإن العدالة استلزمت حماية هذا الغير من الضرر الذي يصيبه من ذلك؛ فجاء المشرع بالمادة 409 من نفس القانون و التي تنص على ما يلي : " لا تسري أحكام المادة 408 على الغير الحسن النية إذا كان الغير قد كسب بعوض حقا عينيا على الشيء المبيع". و عليه فإن هذه المادة تلزم توافر شرطين أساسيين هما :
الشرط الأول : حتى يستفيد الغير من الحماية المقررة بهذه المادة يجب أن يكون إكتسابه لملكية المبيع أو للحق العيني عليه بعوض،و إلا كان الورثة أولى بالحماية إذا انتقل الحق إليه تبرعا، بحيث يجوز للورثة أن يتتبعوا العين في يد المتبرع له، و أن يستوفوا منها حقهم غير مثقل بالحق الذي كسبه الغير عليها، و ذلك ما لم تكن العين منقولا و حـازه
-------------------
(1) محمد زهدور. المرجع السابق. ص 134.
(2) علي علي سليمان. المرجع السابق. ص 132.
(3) لأجل ذلك تم اقتراح صياغة المادة 408/2 من طرف الدكتور علي علي سليمان على النحو التالي :"أما إذا تم البيع للغير في نفس الظروف، فإنه ينفذ في حدود الثلث و ما زاد على الثلث يتوقف على إجازة الورثة."
المتبرع له بحسن نية ، إذ يصبح مالكا بمقتضى الحيازة في هذه الحالة .
و إذا كان المبيع عقارا فحتى يستفيد الغير من أحكام المادة 409 من القانون المدني يجب أن يكون التصرف الذي اكتسب به الحق العيني على العقار في سند رسمي مشهر (1)، فورثه البائع يعتبرون من الغير بالنسبة للتصرفات التي يبرمها المشتري و عليه لا يكون لها أثر بالنسبة لهم إلا من تاريخ شهرها في مجموعة البطاقات العقارية .
الشرط الثاني : بالرجوع إلى المادة 409 من القانون المدني فإنها تشترط أيضا أن يكون الغير - الذي اكتسب حقا عينيا على المبيع من المشتري - حسن النية لا يعلم وقت تعامله مع المشتري أن للورثة حقا فيها و أن التصرف السابق كان فيه البائع في مرض الموت، أما إذا علم بذلك بعد التصرف الذي أكسبه الحق العيني فإن ذلك لا يؤثر في حسن نيته .
أما إذا كان هذا الغير سيء النية بأن أخبره الورثة قبل أن يقدم على ذلك بعدم إجازتهم لتصرف مورثهم الذي تم في مرض موته، فلا يجوز له عندئذ الإستفادة من هذه الحماية، و يجوز للورثة تتبع العين تحت يده أو استرجاع العين غير مثقلة بالحق العيني الذي كسبه عليها.
و عليه إذا توافر الشرطان السالفا الذكر فإن الغير يحتفظ بحقه الذي كسبه على العين المبيعة، فإن كان قد تلقى الملكية عن المشتري فلا يجوز نزعها منه، و إن كان قد ترتب له حق عيني آخر على المبيع فإن هذا الأخير يعود إلى التركة مثقلا بحق الغير كالإنتفاع أو الإرتقاق أو الرهن مثلا، و هذا بعد استعمال الورثة الحق الـوارد في المادة 408 من القانون المدني .

الفرع الثاني : التصرفات التبرعية الصريحة في مرض الموت
تطبيقا للمادة 776 من القانون المدني فإن كل تصرف بنية التبرع يأخذ حكم الوصية، فمن باب أولى أن التصرفات التبرعية الصريحة من هبة، وقف و إبراء و غيرها تأخذ نفس الحكم؛ لذا نحاول تفصيل ذلك مع توضيح الأحكام الخاصة بكل تصرف منها .
أولا : الهبـة في مرض المـوت
تنص المادة 202 من قانون الأسرة أن : "الهبة تمليك بلا عوض ويجوز للواهب أن يشترط على الموهوب له القيام بالتزام يتوقف تمامها على إنجاز الشرط "
و بذلك فإن الهبة بوصفها تمليكا بلا عوض كانت من أشد التبرعات الضارة بالمتصرف ضررا محضا، لذا أحاطها المشرع بضوابط هامة، لا سيما تلك المتعلقة بأهلية المتبرع، فإذا كان الواهب أهلا للتبرع من غير المرض جاز له أن يهب شرعا و قانونا كل ماله لمن يشاء، وارثا كان أم أجنبيا طبقا للمادة 205 من قانون الأسرة .
إلا أن حرية الشخص في الهبة تتقيد إبتداءا من مرض الموت، و يحق لصاحب المصلحة الطعن فيها بعد الوفاة، و ذلك طبقا للمادة 204 من قانون الأسرة التي تنص على أن : "الهبة في مرض الموت، و الأمراض و الحالات المخيفة، تعتبر وصية"،
-------------------
(1)المادة 324 مكرر1من القانون المدني و المواد 15،16 من الأمر 75–74 المؤرخ في12/11/1975يتضمن إعداد مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري
إضافة إلى نص المادة 776 من القانون المدني التي تنطبق على الهبة أيضا .
ما يلاحظ على نص المادة 204 من قانون الأسرة أنه أضاف حالة لم تتطرق لها جل التشريعات و لا الفقه الإسلامي و ألحقها بمرض الموت و ذلك في ما سماه بالحالات المخيفة، فهذا المصطلح يحتاج إلى تفسير من خلال الإجتهاد القضائي (1).
و عليه فإن الهبة في مرض المـوت، أعطاها المشرع حكـم الوصية بنص صريح، و بهذا قال جمهـور الفقهاء ؛ إذ اعتبروا أن الواهب المريض مرض الموت تأخذ هبته حكم الوصية، و تسري عليه أحكامها من عدم جواز الإيصاء بأكثر من الثلث و عدم جواز الإيصاء لوارث، كل ذلك مع إمكانية إجازة الورثة .

و ما يلاحظ في هذا الشأن غزارة القرارات القضائية الصادرة عن المحكمة العليا و المتعلقة بالهبة في مرض المـوت و التي اعتبرت هذه الأخيرة وصية منها القرار الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية و المواريث بتاريـخ 16/03/1999(2) و القرار الصادر عن نفس الغرفة بتاريخ 21/02/2001 (3).
و أكدت المحكمة العليا على أن القضاء بإبطال الهبة في مرض الموت دون مراعاة المـبدأ القانـوني الذي يعتبرها وصيـة و يستفيد منها الموهوب له في حدود ما يسمح بذلك موضوع الوصية بعد مخالفة للقانون .
و أكثر من ذلك فقد ذهبت المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 13/03/1998 إلى اعتبار الهبة وصية إستنادا إلى قرينة يستخلص من خلالها إضافة الهبة إلى ما بعد الموت حيث جاء فيه : "... و من المقرر قانونا أن الهبة تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية . ومتى تبين - في قضية الحال - أن الهبة موضوع النزاع أقامها المرحوم لزوجته ذاكرا بأنه في حالة ما إذا وجد بعد وفاته ورثة آخرون و شرعيون تحدد الهبة حسب القانون و هو ما يجعلها في شكل وصية مضافة إلى ما بعد الموت في حين أن الشريعة الإسلامية لا تسمح بالوصية للوارث..." مؤسسة قرارها على أحكام الشريعة الإسلامية. (4)
ثانيـا : الوقـف في مرض المـوت
نظم المشرع الجزائري الوقف في المواد 213 إلى 219 من قانون الأسرة، ثم صدر قانون التوجيه العقاري الذي نص في مادته 31 على أن : "الأملاك الوقفية هي الأملاك العقارية التي حبسها مالكها بمحض إرادته ليجعل التمتع بها دائما تنتفع به جمعية خيرية أو جمعية ذات منفعة عامـة أو مسجد أو مدرسـة قرآنية سواء كان هذا التمتع فوريا أو عند وفاة الموصى لهم الوسطاء الذين يعينهم المالك المـذكور" و أحـالت المادة 32 منه على قانون خاص، و فعـلا صدر هذا القـانون تحـت رقم 91-10 بتاريخ 27/04/1991 يتعلق بالأوقاف (5) و الـذي عرف في مادته الرابـعة
-------------------
(1) صدر قرار عن المحكمة العليا غرفة الأحوال الشخصية و المواريث أشار إلى الحالات المخيفة إلا أنه يستشف منه أنه لم يفرق بينها و بين مرض الموت و اعتبرهما شيئا واحدا. قرار بتاريخ 16/06/1998 ملف رقم 197335. الاجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 281.
(2) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 16/03/1999 ملف رقم 219901. . الاجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 287.
(3) قرار المحكمة العليا غرفة الأحوال الشخصية و المواريث الصادر بتاريخ 21/02/2001 ملف رقم 256869. المجلة القضائية. العدد الثاني 2002 ص 428.
(4) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 13/03/1998 ملف رقم 179724 . الاجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001 ص 277.
(5)القانون91-10 المؤرخ في27/04/1991 يتعلق بالأوقاف المعدل و المتمم بالقانون 01-07 المؤرخ في22/05/2001 والقانون 02-10 المؤرخ 14/12/2002.
الوقف بما يـلي : " الوقف عقد إلتزام تبرع صادر عن إرادة منفردة..."، و ينقسم الوقف إلى وقف عام و وقف خاص.
و قد نص هذا القانون بالمادة 32 منه على حق الدائنين طلب إبطال الوقف في مرض الموت إذا كان الدين يستغرق جميع أمواله و لكنه لم يتضمن أي حكم يتعلق بالورثة، لكن بالرجوع إلى قانون الأسرة فقد نصت المادة 215 على تطبيق المادة 205 منه على الوقف و التي تنص على اعتبار الهبة في مرض الموت و الأمراض و الحالات المخيفة وصية
و عليه فإن الوقف في مرض الموت يأخذ حكم الهبة في مرض الموت و تسري عليه أحكام الوصية و هذا ما يطابق ما أخذ به جمهور الفقهاء، وهو ما قضت به المحكمة العليا في قرار لها:"حيث أن المادتين 215 و 204 من قانون الأسرة تنص على بطلان الحبس في مرض الموت و الحالات المخيفة و إن حالة المحبس (ع م) الذي أقام الحبس موضوع النزاع في أوت 1987 كان يعاني منذ سنة 1985 من مرض خطير لازمه إلى يوم وفاته..." (1).
و حماية للورثة من تصرفات مورثهم الماسة بحقوقهم فإن المحكمة العليا اعتبرت في عدة قرارات لها أن عقد الحبس الذي يحرر بسوء نية بقصد حرمان أحد الورثة من الميراث يعد باطلا بغض النظر عن وقوعه في مرض الموت من عدمه (2)
إضافة إلى ذلك فإن الوقف الخاص يشترط فيه إكتساب الموقوف عليه الإنتفاع أثناء حياة الواقف، فالواقف على النفس ثم الورثة يأخذ حكم الوصية حيث يقـول خليل أن الوقف باطـل إذا لم تتم حيازة الموقوف عليه قبل إفـلاس أو موت الواقف أو قبل مرض الموت (3)، و عليه إذا ظل الواقف ينتفع بالعين الموقوفة إلى حين وفاته فلا يمكن أن ينفذ الوقف الخاص إلا على أساس أنه وصية طبقا لقرينة المادة 777 من القانون المدني، وما يؤكد ذلك هو أن المواد التي كانت تنظم الوقف الخاص ألغيت بموجب القانون 02-10 السابق الذكر و أحالت المادة الأولى معدلة على الأحكام التشريعية و التنظيمية المعمول بها، فيفهم من ذلك أن الوقف الخاص يخضع للأحكام المطبقة على الهبة و الوصية حسب الحالة التي يقررها الواقف في العقد (4) .
ثالثـا : الإبراء و الإقرار في مرض الموت
يأخذ كل من الإبراء و الإقرار في مرض الموت حكم التصرفات التبرعية في مرض الموت ونوضح ذلك فيما يأتي.
نصت المادة 306 من القانون المدني على أنه : "تسري على الإبراء الأحكام الموضوعية التي تسري على كل تبرع"
باعتبار نية التبرع الصريحة في الإبراء فإن نزول المريض مرض الموت عن دينه يأخذ حكم الوصية تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية، إضافة إلى تطبيق الحكم العام للتصرفات القانونية التي تصدر عن الشخص في مرض الموت بقصد التبرع الوارد بالمادة 776 من القانون المدني، و بالتالي تسري عليه القيود الواردة على الوصية و التي سبق بيانها .
أما بالنسبة للإقرار فإنه من الوسائل التي وضعها المشرع للإعفاء من الإثبات، إذ أنه يعفي الخصم من إقامة الدليل على ما يدعيه، و يجوز الطعن في الإقرار بكل ما يجوز الطعن به في التصرف القانوني .
و الإقرار إما أن يكون قضائيا أو غير قضائي، و قد عرف المشرع الإقرار القضائي بالمادة 341 من القانون المدني
-------------------
(1) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 23/11/1993 ملف رقم 96675. الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 302.
(2) من بينها القرار الصادر بتاريخ 16/11/1999 ملف رقم 230617. الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص 2001. ص 311.
(3) فريدة زواوي. مقال بعنوان:الوقف الخاص. وجهة نظر في وضعيته الحالية. مجلة الموثق. العدد الخامس. ديسمبر 1998. ص 40.
(4) ليلى زروقي. محاضرات في القانون العقاري . المعهد الوطني للقضاء. الدفعة الرابعة عشرة. 2003/2004.
أنه إعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير في الدعوى المتعلقة بها الواقعة .
و الإقرار القضائي يكون حجة على المقر، و لكنه يقتصر عليه و لا يتعداه كقاعدة عامة، فإذا أقر الشخص قضائيا ثم مات قبل صدور الحكم فإن إقراره لا ينصرف إلى ورثته، لكن إذا صدر الحكم قبل وفاته، فإن هذا الحكم يكون حجة عليهم .
أما بالنسبة للإقـرار غير القضائي فقد جاء في قرار للمحكمة العليـا ما يلي : "...حيث أنه من المقرر فقـها و اجتهادا أن لا يجوز التمسك بإقرار البائع أنه قبض ثمنا ولو ذكر ذلك في عقد البيع، لأن هذا الإقرار من المريض مرض الموت، ولا يعتد به لأن الشبهة قائمة بين البائع و المشتري أنهما متواطئان على تصوير أن هناك ثمنا دفع، وحيث أن القرار المطعون فيه مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية في إقرار المريض مرض الموت، مما يتعين نقضه" (1) .
و يمكن القول إذن في هذا السياق أنه يجوز إسقاط حكم المادة 776 من القانون المدني على الإقرار في مرض الموت إذا توافرت شروطها .


















-------------------
(1) قرار المحكمة العليا غرفة الأحوال الشخصية الصادر بتاريخ 09/07/1984 ملف رقم 33719. المجلة القضائية. العدد الثالث. 1989. ص 53.
المبحـث الثـاني
التصرف لوارث مع الإحتفاظ بالحيازة و الإنتفاع بالشيء مدى الحياة

إضافة إلى التصرفات التي يبرمها المورث في مرض الموت و التي تأخذ حكم الوصية، فإنه قد تصدر عن المورث بعض التصرفات وهو في كامل صحته رغبة منه في محاباة بعض الورثة على آخرين، فيعمد من خلالها إلى إخفاء وصيته في صورة تصرف منجز، و غالبا ما يتخذ من عقد البيع وسيلة لهذا التحايل فيجعل الوصية في مظهر عقد بيع و يذكر في العقد ثمنا صوريا لا يلتزم به المشتري في حقيقة الأمر، و يحرص أن تبقى المزايا العملية للملكية له فيحتفظ بحق الإنتفاع بالعين طوال حياته، كما قد يتخذ التصرف في شكل هبة مع ورود نفس هذا الشرط الأخير بها، كما قد يشترط في العقد منع المتصرف إليه من التصرف في العين طوال حياة المتصرف .
ورغبة من المشرع في معاملة المورث هنا بنقيض قصده فقد أقام قرينة قانونية بنص المادة 777 من القانون المدني التي تنص على ما يلي : " يعتبر التصرف وصية وتجري عليه أحكامها إذا تصرف شخص لأحد ورثته و استثنى لنفسه بطريقة ما حيازة الشيء المتصرف فيه و الإنتفاع به مدة حياته ما لم يكن هناك دليل يخالف ذلك".
لذا سنوضح في المطلب الأول الشروط الواجب توافرها لإعمال هذه المادة، إضافة إلى توضيح أحكامها و قواعد الإثبات المتعلقة بها في المطلب الثاني .

المطلب الأول : شروط التصرف الوارد بالمادة 777 من القانون المدني

حتى تقوم القرينة القانونية الواردة في المادة 777 من القانون المدني لا بد من توافر شروط محددة تتمثل فيما يلي:

الفرع الأول : أن يتم التصرف لأحد الورثة
تضمنت المادة 777 من القانون المدني نصا صريحا على وجوب أن يكون التصرف لوارث، لأن التصرف يكون في الغالب لأحد الورثة بحكم أن الوصية غير جائزة له فقد يحدث أن لا يكون للمورث إبن يرثه فيلجأ إلى هذه الوصية المستترة لإبنته أو زوجته بكل ماله، لأنه لا يريد وصية لا تنفذ إلا بعد إجازة باقي الورثة .
و عليه فإذا تم التصرف لغير وارث فإنه لا يجوز إعمال هذه القرينة القانونية و إعتبار التصرف وصية، بالرغم من أن البعض يرى أن هناك ظروفا قد تدفع المورث إلى الإيصاء لغير الوارث بأكثر من ثلث التركة لوجود علاقة قوية تربطه بهذا الأجنبي يرى من خلالها أن يوصي له بكل ماله أو بجزء كبير منه، فيلجأ تبعا لذلك إلى إصباغ صفة البيـع أو الهبـة أو غيرها على تصرفه مع احتفاظه بالحيازة و الإنتفاع بالمال، لذا فإن لم تطبق عليه القرينة القانونية عملا بحرفية النص فإنه يمكن اعتبار ذلك قرينة قضائية، حيث يتعطل تطبيق المادة 777 بوصفها قرينة قانونية، و يطبقه القاضي في النزاع على أساس أنه قرينة قضائية، و لكن القاضي حر في أن يأخذ بهذه القرينة القضائية أو لا يأخذ بها كما هو ثابت في مبادىء القانون لأنها تعتبر كسائر القرائن القضائية خاضعة لمطلق تقديره و واسع نظره تحت رقابة المحكمة العليا فيما يخص تسبيب الحكم . و سواء اعتبر ذلك قرينة قانونية أو قرينة قضائية، فهو في الحالتين يقبل إثبات العكس .
و العبرة في تحديد صفة الوارث هي بوقف وفاة المتصرف لا بوقت انعقاد التصرف، فيعتبر وارثا من أصبح كذلك وقت وفاة المتصرف و لو لم يكن وارثا وقت التصرف، و على العكس من ذلك لا يعتبر وارثا من لم يعد كذلك وقت الوفاة و لو كان وارثا وقت التصرف (1).

الفرع الثاني :أن يحتفظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها مدى الحياة
إضافة إلى الشرط الأول يجب أن يستثني المتصرف لنفسه حيازة العين المتصرف فيها مدى الحياة .
والحيازة كسبب من أسباب كسب الملكية تعرف على أنها : "وضع مادي به يسيطر الشخص سيطرة فعلية على شيء أو حق من الحقوق، بقصد الظهور بمظهر المالك (2) أو صاحب حق عيني آخر، سواء أكان هذا الشخص هو صاحب الحق أو لم يكن كذلك . و تتحقق هذه السيطرة الفعلية بمباشرة أعمال تتفق و مضمون الحق و عادة ما يباشرها المالك نفسه، و عليه لا بد للحيازة من توفر ركنين أساسيين هما ركن مادي يتمثل في مجموع الأعمال المادية التي يأتيها الحائز، وهي في العادة من قيام المالك كإحراز الشيء و الإنتفاع به، و ركن معنوي يتمثل في اتجاه نية الحائز إلى مباشرة تلك الأعمال لحساب نفسه فتكون له نية الظهور بمظهر المالك .
غير أن الحيازة التي تعد شرطا لإعمال قرينة المادة 777 من القانون المدني تختلف عن الحيازة كسبب من أسباب الملكية، فاحتفاظ المتصرف بحيازة العين بأي طريقة معناه أن يكون حائزا لها باعتباره منتفعا لا مالكا، فيتحقق معه الركن المادي دون الركن المعنوي، إلا أن هناك من يرى أن المشرع مادام قد اعتبر هذا التصرف وصية فالموصي يبقى مالكا للشيء الموصى به لكون الوصية تصرفا مضافا لما بعد الموت، لكن هذا الرأي الأخير مردود عليه لما فيه من مصادرة على المطلوب فهو يفسر الحيازة التي هي شرط للمادة 777 من القانون المدني إعتمادا على نتيجة هذا الشرط و هي اعتبار التصرف وصية .
و عليه فإن الحيازة المقصودة بنص هذه المادة هي السيطرة القانونية والفعلية على الشيء محل التصرف، أي أنه يكفي مجرد وضع اليد (3)، و لا يشترط توافر الركن المعنوي لها .
و مثال ذلك أن يحتفظ المتصرف بالحيازة بوسيلة من عدة وسائل كأن يقوم بإدارة الشيء ودفع الضرائب المقررة عليـه ، أو كأن يشترط بقاء الحيازة لديه في العقد، إلا أن اشتراط منع المتصرف إليه من التصرف في العين طوال حيـاة المتصرف
-------------------
(1) يجدر الذكر إلر أن هناك رأيا آخر يعتبر أن العبرة في تحديد صفة الوارث هي بوقت انعقاد التصرف منتقدا الرأي المخالف لأنه يعتمد قياس هذه القاعدة على قاعدة التصرف في مرض الموت ، و هذا ما هو غير جائز – حسب هذا الرأي – لأنه في حالة مرض الموت لا تعد صفة الوارث قرينة على نية الإيصاء بينما في المادة 777 ق.م فإن صفة الوارث تعد عنصرا من عناصر القرينة على نية الإيصاء و نية المتصرف تنصرف إلى ذلك وقت ابرامه التصرف حيث كان له نية الإيصاء لوارث . أنظر رمضان أبو السعود. شرح العقود المسماة-في عقدي البيع و المقايضة-. دار الجامعة الجديدة للنشر. مصر. 2003. ص 79 ، 80 .
(2) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 784.
(3) عمر حمدي باشا. المرجع السابق. ص 63.
لا يقوم قرينة على وجود العين في حيازة المتصرف، فرغم وجود الشرط المانع فقد تبقى العين مع ذلك في حوزة المتصرف إليه، ولكن تستفاد حيازة المتصرف للعين المبيعة إذا استبقى لنفسه الحق في الإنتفاع (1)، فالإنتفاع بها يعني بالضرورة حيازتها، و احتفاظ المورث بحق الإنتفاع طول حياته كاف وحده لقيام القرينة القانونية فهو يتضمن الإنتفاع بالعين مدى الحياة و استبقاء الحيازة في يده بصفته منتفعا .
وأخيرا فإن احتفاظ المورث بحيازة العين التي تم التصرف فيها ،هي واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات حيث أكدت المحكمة العليا في قرارها الصادر عن الغرفة العقارية بتاريخ 22/11/2000 أن الحيازة واقعة مادية يتم إثباتها بجميع الطرق القانونية (2).

الفرع الثالث : أن يحتفظ المتصرف بحقه في الإنتفاع بالعين المتصرف فيها مدى الحياة
فالشرط الأخير لتطبيق المادة 777 من القانون المدني هي أن يحتفظ المتصرف بالإنتفاع بالشيء المتصرف فيه مدى حياته .
ولتوضيح هذا الشرط نحدد معنى الإنتفاع طبقا للقواعد العامة حيث لم يعرفه القانون المدني، لكن الفقه عرفه كما يلي : "هو حق عيني في الإنتفاع بشيء مملوك للغير، فتكون له سلطة استعماله و استغلاله بشرط الإحتفاظ بذات الشيء لرده إلى صاحبه عند نهاية حق الإنتفاع الذي يجب أن ينتهي حتما بموت المنتفع" (3) .
و عليه فإن المادة 777 من القانون المدني تشترط أن يحتفظ المتصرف باستعمال الشيء المتصرف فيه بنفسه، وكذا باستغلاله لحساب الخاص وهذا طوال حياته .
و يكون ذلك بطرق مختلفة، وأكثرها انتشارا هي أن يشترط لنفسه في عقد بيع يصدر منه حق الإنتفاع بالعين المبيعة مدى الحياة، مع منع المشتري من التصرف في الرقبة، و بذلك يبقى حائزا للعين مدى حياته بصفته منتفعا لا مالكا، دون حاجة لتتبع حقه في الإنتفاع في يد الغير بفضل شرط المنع من التصرف في الرقبة، كما أنه قد يتم اللجوء إلى طريقة أخرى للإحتفاظ بالإنتفاع؛ بأن يستأجر العين مدى حياته من المتصرف إليه ببدل إيجار يحصل على مخالصة به دون أن يدفعه فعلا، فيتمكن المتصرف من الإحتفاظ بالإنتفاع بموجب عقد الإيجار .
و يجب أن يكون الإنتفاع بالعين مدى الحياة مستندا إلى حق ثابت لا يستطيع المتصرف إليه تجريده منه، فمجرد الإنتفاع الفعلي الذي لا يستند إلى حق قانوني لا يكفي لقيام القرينة القانونية على الإيصاء؛ ومن ذلك توثيق و شهر التصرف في العقار بدون شرط لصالح الوارث مع بقاء المتصرف منتفعا به (4) ، إذ أن زمام الإنتفاع يكون موكولا إلى إرادة المتصرف إليه و له أن ينتزع الإنتفاع من يد المتصرف متى شاء . كما لا يكفي أن يحتفظ المتصرف بالإنتفاع لحساب الغير طيلة حياة المتصرف، فحق الإنتفاع هنا يكون مقررا لهذا الغير .
-------------------
(1) رمضان أبو السعود. المرجع السابق. ص 81.
(2) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 22/11/2000. ملف رقم 201544. الإجتهاد القضائي للغرفة العقارية. الجزء الثاني. 2004. ص 283.
(3) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 1200.
(4) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ22/09/1986 ملف رقم 43301. المجلة القضائية. العدد الثالث. 1992. ص 63.
و يقع عبء إثبات توافر هذه الشروط على من يدعي توافرها من الورثة (1)، فإذا أثبتوا توافر الشروط السابقة الذكر مجتمعة (2) أمكن استخلاص القرينة الواردة بنص المادة 777 من القانون المدني، و التي تفيد اعتبار التصرف وصية مستترة كما سيأتي بيانه .
إلا أنه قد يتخلف أحد هذه الشروط أو يعجز الورثة عن إثباتها فلا يمكن إعمال القرينة القانونية، فيكون للطاعن في هذه الحالة إثبات طعنه بكل طرق الإثبات بما فيها القرائن القضائية ، إذ لا يوجد ما يمنع القاضي من أن يستخلص من ظروف الدعوى قرينة قضائية على قصد التحايل فاستخلاص القرائن القضائية من سلطة قاضي الموضوع، الذي يتعرف على حقيقة العقد من خلال التحري عن قصد المتصرف من تصرفه في ضوء ظروف الدعوى وما جاء فيها من أقوال شهود وقرائن، وهذه القرائن القضائية تختلف من قضية إلى أخرى ومنها :
- عدم تسجيل العقد و عدم دفع الثمن و بقاء العقد في حوزة المتصرف حتى وفاته .
- وجود ورقة ضد بنفس تاريخ السند تتضمن تعهد المشتري بعدم المساس بملكية العين طول حياة والديه البائعين له .
- إحتفاظ المورث بعقد البيع و بقائه واضعا يده على العين من دون أن يقبض ثمنا إضافة إلى عدم حاجته إلى بيع أملاكه.
- إيداع الأم مبالغ نقدية في صندوق التوفير باسم ابنتها التي تعيش في رعايتها و التي لا مورد لها .
- قيام البائع بإبراء المشتري من الثمن وكون المتصرف إليه فقيرا لا يستطيع دفع الثمن بأي حال .

المطلب الثاني : أحكام التصرف لوارث مع الإحتفاظ بالحيازة والإنتفاع مدى الحياة وقواعد الإثبات المتعلقـة به .

نقسم هذا المطلب إلى فرعين، نتناول من خلال الفرع الأول الآثار المترتبة على القرينة الواردة بالمادة 777 من القانون المدني المثمتلة في خضوع التصرف لأحكام الوصية، و في الفرع الثاني إلى طبيعة هذه القرينة و إثبات عكسها .

الفرع الأول : خضوع التصرف لأحكام الوصية
عند توافر الشروط السابقة الذكر تقوم قرينة قانونية على أن تصرف المورث لأحد ورثته يعد وصية مستترة، وهذا من شأنه أن يجعل الوارث في منزلة الموصى له لا في منزلة المشتري باعتبار أنه لم يحز العين الموصى بها و لم ينتفع بها إلا عند موت المورث، وهذا من أحكام الموصى له .
فقد ألحق المشرع بموجب هذه القرينة التصرف بالوصية وذلك لرد التحايل على أحكام الوصية بأن يعمد المورث
-------------------
(1) يرى الأستاذ السنهوري أنه يصح أن يطعن المورث نفسه في التصرف الصادر منه على أساس أنه وصية و قد رجع فيها فيقع عليه عبء إثبات قيام هذه القرينة. عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 233. هامش 1.
(2) يضيف البعض شرطا رابعا هو وجوب انعقاد التصرف على الأقل في 05/07/1975 أو في تاريخ لاحق طبقا لقاعدة عدم رجعية القوانين (المادة 2 ق.م) و المادة 1003 ق.م التي تنص على سريان القانون المدني ابتداء من 05/07/1975 أما التصرفات السابقة له فلا تسري عليها هذه القرينة لعدم وجود ما يقابل المادة 777 في القانون السابق لكن هذا لا يمنع من استخلاص قرائن قضائية بالنسبة لها. محمد حسنين. المرجع السابق. ص 222.
إلى ستر وصيته في شكل تصرف منجز كبيع أو هبة، أي أنه يخلع على تصرفه وصفا قانونيا غير صحيح، فحسم المشرع التكييف القانوني له باعتباره وصية و اعتبار سلطة تكييفه لقاضي الموضوع الذي يطبق القواعد القانونية المقررة للتصرف بعد القيام بتكييفه، ومن ثم إذا نجح الطاعن في إثبات طعنه بأن التصرف وصية مستتـرة فإن الوصية لا تجـوز للوارث - باعتبار المتصرف إليه هنا وارث - و بالتالي تكون موقوفة على إجازة الورثة فمن أجازها سرت في حقه ومن لم يجزها كانت غير نافذة في حقه.
و الوارث الذي يطعن في التصرف هنا يعد من الغير بالنسبة لمورثه، لأن حقوقه تعلقت بالتركة فليس للمورث المساس بهذه الحقوق، فهو لا يعد خلفا عاما هنا لذا أجيز له الطعن في التصرف بحيث لا يسري في حقه إلا بما هو ثابت من تقييد وهذا باعتبار أن الوارث يستمد حقه في الطعن من القانون مباشرة و ليس بحق يتلقاه من مورثه لأن التصرف لأحد الورثة مع الإحتفاظ بالحيازة والإنتفاع مدى الحياة يفترض فيه قصد التحايل على نظام الإرث المقرر شرعا، ومن ثم لا يكون الحكم الصادر قبل المورث بصحة التصرف بالبيع مثلا حجة عليه؛ إذ يعد الوارث في حكم الغير فيما يختص بتصرفات مورثه الضارة به و الماسة بحقه في الإرث (1).
و قد أخذت المحكمة العليا بقرينة المادة 777 من القانون المدني في عدة قرارات منها القرار المؤرخ في 05/03/1990 الذي جاء فيه : "من المقرر قانونا أنه يعتبر التصرف وصية و يجري عليه أحكامها إذا تصرف شخص لأحد ورثته و استثنى لنفسه بطريقة ما حيازة الشيء المتصرف فيه والإنتفاع به مدة حياته ما لم يكن هناك دليل يخالف ذلك ومن المقرر أيضا أنه لا وصية لوارث إلا إذا أجازها الورثة .
... ولما كان ثابتا - في قضية الحال - أن قضاة الإستئناف لما قضوا ببطلان عقد الهبة وعدم تنفيذ التصرف باعتباره وصية لوارث يكونوا بقضائهم كما فعلوا طبقوا القانون تطبيقا صحيحا" (2) .و كذا القرار الصادر عنها بتاريخ 28/05/1991 الذي قرر نفس المبدأ (3).
إلا أن هناك جملة من الملاحظات حول المادة 777 من القانون المدني إذا كان التصرف لوارث في شكـل هبـة و يمكن إجمالها فيما يلي :
- يرى البعض أن نص المادة 777 من القانون المدني يتعارض مع أحكام بعض التصرفات التي قد تسري عليها هذه المادة، و بالأخص عقد الهبة، حيث تقضي المادة 202 من قانون الأسرة بتخويل الواهب إدراج بعض الشروط على الموهوب له، بينما بتطبيق المادة 777 عليها نجد بأن اشتراط الواهب حق حيازته للموهوب و الإنتفاع به طيلة حياته يجعل من الهبة وصية، وهذا ما يشكل تعارضا على حد قول أصحاب هذا الرأي إلى درجة اعتبارهم أن المادة 777 من القانون المدني قد ألغيت فيما يخص الهبة بنص المادة 223 من قانون الأسرة التي تقضي : "تلغى جميع الأحكام المخالفة لهذا القانون" و الفقرة الثانية للمادة 2 من القانون المدني لتنظيم موضوع الوصية من جديد في قانون الأسرة .
إلا أن هذا الرأي مردود عليه لأن المادة 777 من القانون المدني و إن وردت ضمن القواعد الموضوعية إلا أنهـا -------------------
(1) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 234. هامش 2.
(2) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 05/03/1990. ملف رقم 59240. المجلة القضائية. العدد الثالث. 1992. ص 57.
(3) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 28/05/1991 ملف رقم 74549. المجلة القضائية. العدد الثاني. 1993. ص 28.
تعـد من صميم مواد الإثبات الواردة في القانون المدني (1)، بينما مواد قانون الأسرة المتعلقة بالوصية هي قواعد موضوعية و بالتالي لا وجود لتنظيم موضوع الوصية من جديد .
كما يمكن الرد على من يرى بالتناقض مع المادة 202 من قانون الأسرة أن التناقض الذي يوجب الإلغاء هو التعارض الذي يستحيل معه التوفيق بين النصين و الأخذ بهما معا، وهذا الأمر يفتقد هنا إذ أن المادة 777 تشمل جميع التصرفات سواء تعلق الأمر بهبة أو غيرها من التصرفات بينما المادة 202 من قانون الأسرة خاصة بالهبة فحسب، إضافة إلى أن هذه المادة الأخيرة تشمل الإشتراط بالقيام بالتزام ما مهما كان نوعه، أما المادة 777 فتتضمن حضرا خاصا يتمثل في قيد واحد وهو الحيازة و الإنتفاع بالشيء المتصرف فيه من طرف المتصرف مدى الحياة، وهذا إذا تعلق الأمر بالتصرف لوارث فقط، و القاعدة أن الخاص يقيد العام (2) .
- تنص المادة 206 من قانون الأسرة على ما يلي : "تنعقد الهبة بالإيجاب و القبول، وتتم الحيازة، ومراعاة أحكام قانون التوثيق في العقارات و الإجراءات الخاصة في المنقولات .
و إذا إختل أحد القيود السابقة بطلت الهبة"
لذا يرى البعض أن الحيازة ركن في عقد الهبة إستنادا إلى الفقرة الأخيرة من هذه المادة، و إلى بعض قرارات المحكمة العليا كالقرار الصادر بتاريخ 09/04/1969 (3)، ومن ثم إذا لم يمكن الواهب الوارث الموهوب له من العين محل الهبة وذلك بأن احتفظ بحيازتها و الإنتفاع بها مدى حياته فإن أصحاب هذا الرأي يعتبرون الهبة باطلة و عليه فإنهم يعتبرون هبة حق الرقبة دون حق الإنتفاع تصرفا باطلا، و استنادا إلى هذا الرأي فقد صدرت مذكرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية بتاريخ 12 فيفري 1995 تحت رقم 00689 موجهة إلى مديري الحفظ العقاري تتعلق بيوم دراسي حول الإشهار العقاري ورد فيها : "...ولذا، فإنه إذا كانت الهبة منصبة على حق الإنتفاع (أي الواهب يحتفظ بملكية الرقبة) مقبولة قانونا، فإن الهبة الواردة على ملكية الرقبة فقط دون حق الإنتفاع فهي مستبعدة قانونا" بعد استنادها إلى أن الحيازة ركن في عقد الهبة، وهذا ما أدى إلى صدور قرارات عن المحافظين العقاريين بعد سنة 1995 تقضي بعدم قبول شهر العقد على هذا النحو، و وصل الأمر تبعا لذلك إلى الطعن في هذه القرارات أمام القضاء .
إلا أن هذا الرأي قد جانب الصواب لأن المادة 206 من قانون الأسرة تنص على أن الهبة تتم بالحيازة أي أنها لم تعتبر الحيازة ركنا في الهبة يبطل العقد بتخلفها، إضافة إلى أن تسليم الشيء الموهوب إلى الموهوب له يعد التزاما على عاتق الواهب ناشئا عن العقد يجوز للموهوب له المطالبة به، و الإلتزام لا ينشأ إلا عن عقد مكتمل الأركان، فلا يمكن اعتبار الحيازة ركنا في عقد الهبة و التزاما في نفس الوقت؛ لذا فيمكن القول بأنها شرط للزوم الهبة خاصة إذا علمنا أن أصل شرط الحيازة أي القبض هو الشريعة الإسلامية، و لم يعتبر أي من المذاهب الأربعة الحيازة أو القبض ركنا في عقد الهبة أو شرطا لإنعقاده، بل اعتبر هذا الشرط إما شرط صحة أو شرط لزوم (4) . و عليه فإن هبة ملكية الرقبة فقط دون الإنتفاع
-------------------
(1) (2) محمد شعبان. مقال بعنوان. وجوب تطبيق الحضر القانوني على ما هو معمول به واقعيا. مجلة الموثق. العدد. الرابع.سبتمبر 1998. ص 31. 32.
(3) قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 09/04/1969. النشرة السنوية لسنة 1969 . ص 285. نقلا عن . عمر حمدي باشا. المرجع السابق.ص 9 : "يستوجب نقض و ابطال القرار الذي صحح عقد الهبة التي لم تتم الحيازة فيها و ذلك لأن الهبة شرعاتلزم بالقول و تتم بالحوز".
(4) محمد بن أحمد تقية. المرجع السابق. ص 221 ، 222 ، 223.
جائزة قانونا وكل ما يقول بخلاف ذلك مخالف للقانون - ومن ذلك المذكرة الصادرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية السالفة الذكر - وهذا باعتبار أنه لا يوجد ما يمنع من ذلك، بـل أن المشرع عامل الهبة في هذه الحالة معاملة خاصة إذا كانت لوارث واعتبرها وصية وتطبق عليها أحكامها طبقا للمادة 777 من القانون المدني .

الفرع الثاني : قرينة نية الإيصاء بسيطة قابلة لإثبات العكس
إن التصرف لوارث مع الإحتفاظ بحيازة العين والإنتفاع بها مدى الحياة، و إن قام قرينة قانونية على أن التصرف وصية مستترة، فإنه ليس بالقرينة القاطعة طبقا لنص المادة 777 من القانون المدني الذي جاء في آخره : " ما لم يكن هناك دليل يخالف ذلك" و عليه فهي قرينة بسيطة يجوز لمن تصرف له المورث أن يدحضها بأن يثبت عكس ذلك أي بأن يثبت أن التصرف رغم توافر شروط المادة لم يكن وصية، بل كان في الحقيقة بيعا أو هبة، و هذا حتى ولو أثبت ذلك عن طريق تقديم قرائن قضائية مضادة كأن يثبت أن التصرف بيع بإقامة الدليل على واقعة دفع الثمن، أو أن يثبت أن التصرف قصد به إنتقال الملكية حال حياة المتصرف (1)، أو أن يثبت أنه قد تنازل عن شرط المنع من التصرف و أن احتفاظه بالحيازة يرجع إلى أن المشتري قاصر و قد باشر الحيازة نيابة عنه باعتباره وليا، أو أن احتفاظه بها كان بموجب عقد إيجار مقابل بدل إيجار محدد، أو أن يثبت أن احتفاظه بمنفعة العين مدى حياته يقابله إنقاص الثمن بما يتناسب مع هذه المنفعة .
و قد قضت المحكمة العليا في قرار لها صادر بتاريخ 05/03/1990 : "...و اشترط الواهب على الموهوب لها بأن تبقى الأموال الموهوبة بحيازته وتحت إدارته وتصرفه إلى ما بعد مماته، و بما أن الطاعنة لم تثبت عكس ما جاء في العقد لا من حيث علاقتها بالواهب، أو من حيث التدليل على حيازتها الفعلية و المادية للشيء الموهوب إبان حياة الواهب وعلى ذلك لا يعتبر ما قضى به المجلس خرقا للقانون ... و إن قضاة المجلس لما قضوا ببطلان وعدم تنفيذ التصرف طبقوا الشريعة الإسلامية أحسن تطبيق" (2). و عليه فإذا أثبت من تصرف له المورث عكس القرينة القانونية على النحو الذي سبق بيانه فإن التصرف لا يعتبر وصية و لا تسري عليه أحكامها، بل يبقى تصرفا منجزا بيعا أو هبة أو غيرهما، و تسري عليه الأحكام الخاصة بكل تصرف، أما إذا لم يتمكن المتصرف إليه من إثبات العكس تسري على التصرف أحكام الوصية ومن ثم لا تنفذ في حق الورثة إلا بإجازتها - باعتبارها وصية لوارث - و يمكن للموصي هنا (المتصرف) أن يرجع عنها في حال حياته و بالتالي تسقط بالعدول عنها، كما أنها تسقـط بموت الموصى له قبل موت الموصي (3)، وهذا طبقا للمادتين 192 و 201 من قانون الأسرة .
وهذا ما يحدث غالبا، حيث تبقى قرينة المادة 777 من القانون المدني قائمة لصعوبة دحضها بإثبات العكس لعدة أسباب منها أنه غالبا ما يتم إبرام هذه التصرفات بموجب محرر رسمي خصوصا وأنها تكون في كثير من الأحيان في شكل هبة للعين - خاصة العقار - مع الإحتفاظ بالحيازة أو الإنتفاع مدى الحياة، وهذا ما يجعل الأمر يصل إلى حـد كبير من
-------------------
(1) محمد زهدور. المرجع السابق. ص 145.
(2) قرار المحكمة العليا غرفة الأحوال الشخصية. الصادر بتاريخ 05/03/1990 ملف رقم 59240. المجلة القضائية. العدد الثالث. 1993 . ص 62.
(3) عبد الرزاق السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. المجلد التاسع. المرجع السابق. ص 235 .
الصعوبة في إثبات عكس هذه القرينة لما للمحرر الرسمي من حجية مطلقة في الإثبات لا يدحضه إلا الطعن بالتزوير حسب ما تقضي به المادة 324 مكرر 5 من القانون المدني، و إن كان يمكن إثبات العكس بدليل يوازي على الأقل الورقة الرسمية إلا أن هذا الأخير لا يعدو إلا أن يكون تعديلا للعقد الأصلي عن طريق تنحية القيد أو الشرط نفسه (1).
و في الأخير تجدر الإشارة إلى أن البعض يرى أن المادة 777 من القانون المدني تتعارض مع مبدأ إستقرار المعاملات، خصوصا منها المعاملات العقارية باعتباره هدف كل التشريعات؛ وذلك لأن شرط الإحتفاظ بالحيازة والإنتفاع مدى الحياة شرط جائز إدراجه في العقد و لكن إعمال المادة 777 يسمح بالطعن في العديد من العقود التي تتضمنه خاصة إذا طالت الفترة الزمنية الممتدة بين تاريخ إبرامه وتاريخ الطعن فيه كحالة إبرامه ضد مصلحة الوارث القاصر، و في هذا مساس باستقرار المعاملات خاصة إذا حدثت تعاملات لاحقة على العقار محل التصرف مما يؤثر على حقوق الغير حسن النية الذي تم التعامل لصالحه .



















-------------------
(1) محمد شعبان. المرجع السابق. ص 31.
خـاتمــــة


من خلال كل ما سبق يتضح بأن المشرع ضبط الخلافة في المال بالتنظيم المحكم في نظام المواريث، و بالمقابل قيد من يحاول التصرف في أمواله بتصرف مضاف إلى ما بعد الموت بقيود تتمثل في عدم جواز الإيصاء لوارث، و عدم جواز تجاوز الموصى به ثلث التركة فيما عدا إجازة الورثة لما يخالف هذه الحدود، و ذلك لضمان عدم المساس بما جاء به الشارع الحكيم من توزيـع عادل للتركة إذا منـحت الحرية للمورث في التصرف فيها بما يلحق الضرر ببعض الورثـة أو كلهم .

و موازاة مع ذلك فقد تصدى المشرع لكل تصرف يقصد به التحايل على هذه القواعد العادلة، و منح للقاضي سلطة تكييف التصرف بما يحقق الحماية للورثة؛ و ذلك بنص المادة 777 من القانون المدني التي وضعت قرينة على نية الإيصاء تتمثل في أن التصرف لوارث مع الإحتفاظ بالحيازة و الإنتفاع مدى الحياة يعتبر وصية و تطبق عليه أحكامها، إضافة إلى نصوص المواد الخاصة بالتصرفات المبرمة في مرض الموت الواردة في القانون المدني (المواد 776،408،409 منه) و قانون الأسرة (المواد 204،215 منه) و التي تحقق الحماية للورثة من تصرفات مورثهم المريض مرض الموت، و هذا لتعلق حقوقهم بأمواله بمجرد نزول المرض به، باعتبار أنه يشعر بدنو أجله خلال تلك الفترة فيبرم تصرفات منجزة يقصد بها إضافتها إلى ما بعد الموت .

إلا أنه بالرغم من كل ذلك، فإن التطبيق العملي لأحكـام الوصايا المستتـرة بقي مشوبا بالنقص و الغمـوض و الخطأ في بعض الأحيان، و هذا في عدة جوانب منها المفهوم الصحيح لمرض الموت؛ فبالرغم من تحديد شروطه في الفقه الإسلامي إلا أن المحكمة العليا بقيت تعتبر في قراراتها أن المريض مرض الموت يفقد وعيه و تمييزه، بل يمس المرض بسلامة عقله، و هذا ما هو مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية و القانون باعتبار أن تصرفاته لا يشوبها عيب في الإرادة أو عارض من عوارض الأهلية .

إضافة إلى ذلك فإن النصوص في حد ذاتها تثير العديد من الإشكاليات في التطبيق؛ منها نص المادة 408 من القانون المدني الذي يخلق عدة مشاكل، منها ما يرجع إلى التناقض بين النص العربي و الترجمة الفرنسية له، سواء في تحديد فترة مرض الموت، أو في توافر التراضي من عدمه في البيع لغير وارث، و منها ما يرجع إلى عدم تلاءم نص الفقرة الثانية منها مع المبادئ العـامة للقانون الخاصة بقابلية التصرفات للبطـلان، مما يجعل تطبيق هذا النص مستحيلا كما سبق تفصيل ذلك .
و عليه كان من الأجدر أن يسلك المشرع ما سلكه بقانون الأسرة فيما يخص الهبة في مرض الموت، و يجعل البيع في مرض الموت يأخذ حكم الوصية سواء تم لوارث أو لغيره .
كما أن المادة 776 من القانون المدني جاءت مشوبة في صياغة الفقرة الثانية منها حينما اعتبرت أنه لا يجوز الإحتجاج على الورثة بتاريخ العقد إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا، و هذا ما يجانب الصواب كما سبق توضيحه، و الأصح النص على أن هذا التاريخ حجة على الورثة، و أنه يجوز إقامة الدليل على عدم صحته، أو ترك هذا الحكم للقواعد العامة دون إيراد نص خاص به.

و عليه نخلص إلى ضرورة تدخل المشرع لتعديل نصوص المواد السابق ذكرها لتفادي الغموض و تكريس التطبيق الصحيح للقانون تدعيما لحماية الورثة، إضافة إلى الدور الكبير للقاضي في تكريس هذه الحماية، من خلال استخلاص القرائن القضائية من ظروف و ملابسات التصرفات الماسة بحقوق الورثة .





















المــراجــع

1 – المـؤلفـات :
- أحمد فراج حسين. الملكية و نظرية العقد في الشريعة الإسلامية. الدار الجامعية. لبنان.
- العربي بلحاج. الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري. الجزء الثاني - الميراث و الوصية -. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. الطبعة الثالثة. 2004.
- توفيق حسن فرج. الوجيز في عقد البيع. الدار الجامعية. 1988.
- خليل أحمد حسن قدادة. الوجيز في شرح القانون المدني الجزائري. الجزء الرابع (عقد البيع). ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. طبعة 2001.
رمضان أبو السعود. شرح العقود المسماة - في عقدي البيع و المقايضة -. دار الجامعة الجديدة للنشر. مصر. 2003.
- سمير عبد السيد تناغو. عقد البيع. منشأة المعارف الإسكندرية. مصر.
- عبد الرزاق أحمد السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. العقود التي ترد على الملكية - البيع و المقايضة -. المجلد الرابع. دار إحياء التراث العربي. لبنان. 1986.
- عبد الرزاق أحمد السنهوري. الوسيط في شرح القانون المدني. أسباب كسب الملكية. المجلد التاسع. دار إحياء التراث العربي. لبنان. 1986.
- عز الدين الدناصوري ، عبد الحميد الشواربي. الصورية في ضوء الفقه و القضاء. منشأة المعارف الإسكندرية. مصر.
- عمر حمدي باشا. عقود التبرعات - الهبة. الوصية. الوقف -. دار هومة. الجزائر. 2004.
- علي علي سليمان. ضرورة إعادة النظر في القانون المدني الجزائري. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر.
- عمر بن سعيد. الإجتهاد القضائي وفقا لأحكام القانون المدني. دار الهدى. الجزائر.
- فتحي حسن مصطفى. الملكية بالميراث في ضوء الفقه و القضاء. منشأة المعارف الإسكندرية. مصر.
- محمد أبو زهرة. أحكام التركات و المواريث. دار الفكر العربي. مصر.
- محمد أبو زهرة. شرح قانون الوصية. دار الفكر العربي. مصر.1988.
- محمد أبو زهرة. الملكية و نظرية العقد في الشريعة الإسلامية. دار الفكر العربي. مصر.
- محمد بن أحمد تقية. دراسة عن الهبة في قانون الأسرة الجزائري مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية و القانون المقارن. الديوان الوطني للأشغال التربوية. الجزائر. 2003.
- محمد حسنين. عقد البيع في القانون المدني الجزائري. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. الطبعة الرابعة. 2005.
- محمد زهدور. الوصية في القانون المدني الجزائري و الشريعة الإسلامية. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. 1991.
- محمد صبري السعدي. شرح القانون المدني الجزائري. النظرية العامة للإلتزامات – العقد و الإرادة المنفردة -. الجزء الأول. دار الهدى. الجزائر. الطبعة الثانية. 2004.
- محمد يوسف الزعبي. شرح عقد البيع في القانون المدني. دار الثقافة. الأردن.
- مصطفى محمد الجمال. نظام الملكية. منشأة المعارف الإسكندرية. مصر.
- يحيى بكوش. أدلة الإثبات في القانون المدني الجزائري و الفقه الإسلامي. دراسة نظرية و تطبيقية مقارنة. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. الطبعة الثانية.
2 – الدراسـات و المقـالات :
- عبد الرحمن ملزي. محاضرات في طرق الإثبات في المواد المدنية و التجارية. المعهد الوطني للقضاء. الدفعة الرابعة عشرة. 2003/2004.
- فريدة زواوي. مقال بعنوان : الوقف الخاص - وجهة نظر في وضعيته الحالية -. مجلة الموثق. العدد الخامس. ديسمبر 1998.
- ليلى زروقي. محاضرات في القانون العقاري. المعهد الوطني للقضاء. الدفعة الرابعة عشرة. 2003/2004.
- محمد شعبان. مقال بعنوان : وجوب تطبيق الحضر القانوني على ما هو معمول به واقعيا. مجلة الموثق. العدد الرابع. سبتمبر 1998.
3 – المجـلات القضائيـة :
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الثالث. 1989.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الرابع. 1991.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الثالث. 1992.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الثاني. 1993.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الثالث. 1993.
- الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية. عدد خاص. 2001.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الأول. 2002.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الثاني. 2002.
- المجلـة القضـائيـة. العـدد الأول. 2003.
- الإجتهاد القضائي للغرفة العقارية. عدد خاص. الجزء الثاني. 2004.
4 – النصـوص التشريعيـة :
- القانون المدني ( الأمر 75- 58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المعدل و المتمم ) .
- قانون الأسرة ( القانون 84 – 11 المؤرخ في 9 يونيو 1984 المعدل و المتمم ) .
- الأمر 75 - 74 المؤرخ في 12 نوفمبر 1975 يتضمن إعداد مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري.
- القانون 91 – 10 المؤرخ في 27 أفريل 1991 يتعلق بالأوقاف المعدل و المتمم .
- القانون 90 - 25 المؤرخ في 18 نوفمبر 1990 يتضمن التوجيه العقاري. المعدل و المتمم .

الفـهـــرس

مـقـدمـــة .................................................. .................................................. ......................1
الفصـل الأول : أساس حماية الورثة في الوصية و التصرفات الملحقة بها .................................................. ......3
المبحـث الأول : الأحكام التي تحمي الورثة في الوصية و أساسها .................................................. ..4
المطلب الأول : ماهية الوصية .................................................. .....................................4
الفرع الأول : تعريــف الوصيــة .................................................. .....................4
الفرع الثاني : أركــان الوصيــة .................................................. .......................5
المطلب الثاني : تقييد حرية الإيصاء في الشريعة الإسلامية و قانون الأسرة ................................11
الفرع الأول : عــدم جـواز الإيصـاء لوارث .................................................. .....11
الفرع الثاني :عدم تجـاوز الموصى به ثلث التـركة .................................................. ....14
المطلب الثالث : علـة و أسـاس تقييــد الوصيــة .................................................. 17
الفرع الأول :منـع الإضـرار بالورثـة .................................................. .................17
الفرع الثاني :تـولي الشرع الخلافـة في المـال بالتنظيـم .............................................18
المبحـث الثانـي : أسس حماية الورثة في التصرفات الملحقة بالوصية .............................................20
المطلب الأول : الأسـاس العام الذي تقوم عليه قرينة الإيصاء .............................................20
الفرع الأول : منع التحايل على أحكـام القانون .................................................. ......20
الفرع الثاني : سلطة القاضي في تكييف التصرفات القانونية .............................................22
المطلب الثاني : أساس حماية الورثة من تصرفات المريض مرض الموت .....................................23
الفرع الأول :مفهـوم مرض المـوت .................................................. ....................23
الفرع الثاني : تعلق حق الورثة بأموال المريض مرض الموت ..............................................26
الفصـل الثـاني : التصرفـات السـاترة للوصيـة و أحكامـها .................................................. .........29
المبحـث الأول : تصرفـات المريض مـرض المـوت .................................................. ............30
المطلب الأول : الحكم العـام للتصرف في مرض الموت .................................................. ..30
الفرع الأول : شروط إعمال المادة 776 من القانون المدني وحكمها ..................................31
الفرع الثاني : قواعد الإثبات المتعلقة بالتصرفات في مرض الموت .......................................32
المطلب الثاني : الأحكام الخاصة لبعض التصرفات في مرض الموت .........................................35
الفرع الأول : البيـع في مرض المـوت .................................................. ..................35
الفرع الثاني : التصرفات التبرعية الصريحة في مرض الموت ...............................................39

المبحـث الثـاني : التصرف لوارث مع الإحتفاظ بالحيازة و الإنتفاع بالشيء مدى الحياة ..........................43
المطلب الأول : شروط التصرف الوارد بالمادة 777 من القانون المدني ....................................43
الفرع الأول : أن يتم التصرف لأحد الورثة .................................................. ..............43
الفرع الثاني :أن يحتفظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها مدى الحياة ..............................44
الفرع الثالث : أن يحتفظ المتصرف بحقه في الإنتفاع بالعين المتصرف فيها مدى الحياة .............45
المطلب الثاني : أحكام التصرف لوارث مع الإحتفاظ بالحيازة والإنتفاع مدى الحياة وقواعد الإثبات
المتعلقة به................................................ ............................................46
الفرع الأول : خضوع التصرف لأحكام الوصية .................................................. .........46
الفرع الثاني : قرينة نية الإيصاء بسيطة قابلة لإثبات العكس ..............................................49
خـــاتمــة .................................................. .................................................. ......................51

إرسال تعليق

 
Top